"عاصمة الغضب" تتصدّر خطوط المواجهة خلال "انتفاضة القدس"

سجّلت مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية المحتلة، حضوراً قوياً بعدد الشهداء وعمليات المقاومة منذ اشتعال أحداث "انتفاضة القدس" مطلع تشرين أول/ أكتوبر.

وبلغ عدد شهداء الخليل مع دخول الانتفاضة شهرها الثاني 26 شهيداً من أصل 75 شهيداً فلسطينياً من الضفة الغربية والقدس المحتلتين وقطاع غزة.

ويرى مراقبون أن شرارة الانتفاضة انطلقت مباشرة من ساحات المسجد الأقصى صوب الخليل، مرجعين سبب ذلك إلى جملة عوامل جعلت الخليل مركز الحدث طوال الشهر الماضي، وتتعلّق بتركيبتها الاجتماعية والقبلية وقربها من القدس.

وقضى أغلب شهداء الخليل برصاص الاحتلال خلال عمليات أو محاولات لتنفيذ عمليات طعن ودهس ضد المستوطنين وجنود الاحتلال، عدا عن حالات اعدام ميدانية نفذها الاحتلال ضد عدد من الفلسطينيين، من بينهم خمسة أطفال بينهم فتاتين في المنطقة الجنوبية بالخليل ومحيط المسجد الإبراهيمي، بينما استشهد ثلاثة فلسطينيين خلال مواجهات أعقبت مسيرات بالخليل احدهما مسن بالاختناق بغاز الاحتلال، وفقاً لم رصدته وكالة "قدس برس".

وفي دراسة مسحية نشرها مركز "القدس" لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني، تشير المعطيات إلى أن الخليل شهدت خلال الشهر الماضي قرابة 21 عملية طعن، فيما بلغ عدد نقاط المواجهة في المدينة قرابة 20 نقطة، نصفها نقاط نشطة شهدت مواجهات شبه يومية.

ويعتبر مركز القدس في دراسته التي تلقتها "قدس برس"، أن من أهم ما ميّز حراك الخليل التماس المباشر مع المستوطنين، ممّا عزّز نشاط نقاط الاحتكاك في المحافظة وحضور العمليات الفردية والعدد الكبير من الشهداء، الأمر الذي ساند تواصل الأحداث في وأبقت جذوتها في تصاعد".

وتعد الخليل أكبر محافظة فلسطينية من حيث عدد السكان بواقع 700 ألف نسمة، ومساحتها التي تساوي 16% من مساحة الضفة الغربية المحتلة.

ويرجع المحلل السياسي من الخليل عادل شديد، تحوّل المدينة إلى مركز الحدث خلال "انتفاضة القدس" إلى أن "الخليل تاريخياً الأكثر حضوراً واستعداداً وتفاعلاً مع ما يحدث في المسجد الأقصى للتركيبة القبيلة الدينية للمدينة، وحالة التدخل السكاني والاجتماعي بين  عائلات تقطن الخليل والقدس".

ويشير شديد في حديث لوكالة "قدس برس" إلى أن حالة الثورية في الخليل تعزّزها ممارسات المستوطنين والاحتلال وإغلاق الشوارع، حيث لم تتوقف المعاناة ولم يشعر السكان بالأمن والأمان طوال السنوات الماضية سواء في ظل الهدوء أو التصعيد بالمشهد الفلسطيني برمته.

وأضاف "هذه العوامل بالإضافة إلى حالة التهميش وعدم التعاطي الجدي مع بقية قضايا المحافظة من قبل الجهات الرسمية، ساهمت في خلق حالة الانفجار التي تضم اليوم نصف مليون شاب ممّن تقل أعمارهم عن الـ 30 عاماً".

ولا يجد المحلل السياسي شديد في الأفق نهاية لحالة الثورية والمواجهة في الخليل المتصاعدة مقارنة مع حالة الهدوء النسبي في بقية المحافظات، في ظل انتقال تمركز ذلك المواجهات من الخليل للمناطق الأخرى، مضيفاً "هذا سيخفّف الضغط كثيراً ويعيد التوازن لسكان الخليل الذين باتوا يشعرون أن الاحتلال يهدف لكسر إرادتهم وردع الضفة من خلال الخليل وخلق حالة يأس وإحباط من خلال إعدام الأطفال والفتيات، لكن رغم المعاناة من شلال الدماء فالإحداث تتجه صوب التصاعد ووقوع عمليات نوعية سيخفف الضغط كثيراً"، حسب تقديره.

ويؤكد شديد، على أن الاحتلال ينظر لمدينة الخليل بأهمية خاصة في الفضاء الثقافي والتاريخي لليهود، حيث تعد ثاني مدينة مقدسة لدى أبناء الطائفة اليهودية بعد القدس، ومن الممكن لهم أن يساوموا على حي في تل أبيب، لكن حول البلدة القديمة في الخليل هناك إجماع سياسي وحزبي وموقف ثابت منها، وفق شديد.

ورغم الحديث عن مساعي الحكومة الإسرائيلية للتهدئة عبر وسطاء دوليين، إلا أن جيشها يواصل مزيد من القتل والإجرام ونشر الصور للجنود وهم يفتشون الفتيات بنزع ملابسهن،  رغم علمه ما يمثله ذلك في العقل والوعي الفلسطيني.

ولعل أبرز العمليات الفردية التي نفذها مقاومون من الخليل ضد الاحتلال وستبقى حاضرة في الأذهان، ما أقدم عليه الشهيد إياد العواودة من ملاحقة جندي إسرائيلي في منطقة "رأس الجورة"، حيث تحوّلت مشاهد العملية التي بثتها فضائيات محلية وعربية إلى "رمز بطولي".

وتعتبر النائب في المجلس التشريعي عن حركة "حماس" من الخليل سميرة حلايقة، أن "الخليل في عهد الانتفاضتين الأولى والثانية كانت في مقدمة المدن من حيث العمليات العسكرية الموجعة، والشهداء والأسرى وتستحق أن يقال عنها أم المقاومة وصاحبة الرد على جرائم الاحتلال وعاصمة الغضب".

وتشير حلايقة في تصريحات لـ "قدس برس"، إلى أن "الخليل كانت مستهدفة من قبل الاحتلال لكونها من حيث طبيعة وعقلية مواطنيها مؤهلة لان تقود العمل الجماهيري المقاوم، حيث قادت العمل العسكري المقاوم لعدة سنوات من خلال عمليات نوعيه ولا ينسى ثوارها الانتقام من المحتلين".

وصعّد جيش الاحتلال من هجمته على سكان البلدة القديمة بالخليل خلال "انتفاضة القدس" عبر سياسة جديدة لعزلها ومنع غير القاطنين من السكان من الوصول للمنطقة عبر إغلاقها ببوابات وجدران، إلى جانب تسجيل أرقام البطاقات الشخصية لبعض سكان المنطقة في استغلال واضح للأحداث للقيام بعملية "تطهير عرقي" في البلدة القديمة، وفقاً لما يراه منسق شباب ضد الاستيطان عيسى عمرو.

ويحيل قرابة 600 مستوطن يقطنون في قلب مدينة الخليل بالبلدة القديمة حياة المواطنين إلى حجيم عبر اعتداءات مستمرة يومية، ويتوزعون على أربع بؤر استيطانية أقيمت في عقارات ومبان صودرت من أصحابها الفلسطينيين، بينما يقطن الآلاف من أكثر المستوطنين تطرفاً في العديد من الاستيطانية المحيطة بالخليل.

ويحذر عمرو في حديث لـ "قدس برس" من مخططات الاحتلال لاحتلال كامل البلدة القديمة، وإعادة تجربة  فرض وقائع بعد مجزرة المسجد الإبراهيمي بالاستيلاء على قسم من المسجد الاقصى، وإغلاق شارع الشهداء والمحال التجارية والتنكيل المستمر بسكان المنطقة.

وشهدت الخليل حالة من الالتفاف الكبير حول الشهداء وتمثل ذلك جلياً في مسيرات التشييع التي خرجت وكان أبرزها مسيرة تشييع الشهداء الخمسة حيث كانت المسيرة الأضخم منذ سنوات ،وقدر عدد المشاركين بعشرات الآلاف في مشهد دفع الاحتلال للتراجع عن تسليم بقية الشهداء العشرة المحتجزة جثامينهم.

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.