ياسر عرفات .. أسقطوا غصن الزيتون من يده حين قال "لا" لكلينتون

ارتبط اسم الرئيس الفلسطيني الراحل "ياسر عرفات" محمد عبد الرحمن عبد الرؤوف القدوة الحسيني (1929 - 2004) بالقضية الفلسطينية منذ منتصف القرن الماضي، قبل تأسيسه ومجموعة من الطلاب الفلسطينيين لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" مطلع عام 1956.

ولمع بريق هذا الرجل المكنى بـ "أبو عمار" بعد تشكيله الخليلة العسكرية الأولى للتنظيم عام 1958 برفقة خليل الوزير "أبو جهاد"، وصلاح خلف "أبو إياد" وغيرهم من القادة وتنفيذهم لأول عملية فدائية مساء 31 كانون أول/ ديسمبر من عام 1964، عبر محاولة نسف محطة مائية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وما عرف باسم عملية "عيلبون" والتي تبنّاها عرفات في اليوم التالي الأول من كانون ثاني/ يناير من عام 1965، وهو اليوم الذي اعتمده لانطلاقة حركة "فتح".

وتلازم اسم عرفات بحركة "فتح" والسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، التي ترأسها خلال العقود الأربعة من عمله السياسي وكان له الأثر الكبير على مسار القضية الفلسطينية.

وفي عام 1969، أصبح عرفات الرئيس المنتخب لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي تحوّلت إلى إطار لفصائل المقاومة الفلسطينية، بعد أن كانت مجرد إطار رسمي للشؤون الفلسطينية ملحق بجامعة الدول العربية، وبهذا بدأت مسيرة عرفات في تمثيل الشعب الفلسطيني.

في عام 1974، برز ياسر عرفات على المستوى الدولي، عندما اعتلى منصة الخطابة بالجمعية العامة للأمم المتحدة، ليطرح خيار الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 التي يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود، وليعرب عن رغبته في السلام في عبارته الشهيرة "لا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي".

كانت الأردن ولبنان محطتان هامتان في مسيرة عرفات، وهما المحطتان اللتان طبعت قيادته لـ"ثورة فلسطينية مسلحة".

وفي ما بعد العام 1982، انتقل عرفات إلى تونس بعد حصار القوات الإسرائيلية لبيروت، فكانت تونس محطة انطلاق رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير نحو التسوية السياسية، بالتشاور الوثيق مع القاهرة.

وقد رأى عرفات في الانتفاضة الشعبية الفلسطينية (1987 - 1994) فرصة لتحريك عملية التسوية السياسية، عبر مؤتمر دولي تشارك فيه منظمة التحرير، وفق مبدأ "الأرض مقابل السلام"، كما تم خلال الانتفاضة الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية، وهو الإعلان الذي صدر في عام 1988، لكنه بقي محتفظاً بطابعه الرمزي وحسب.

وفي عامي 1990 و1991، خسر ياسر عرفات عدداً من العواصم العربية على خلفية موقفه في حرب الخليج الثانية، حيث أيّد آنذاك الغزو العراقي للكويت، وهو ما تسبّب له بحالة من العزلة في بلدان الخليج وبخاصة في الكويت، وهي البلد الذي كان أحد محطات تأسيس حركة "فتح"، حيث عمل فيها عرفات مهندساً قبل انطلاق الحركة سنة 1965.

وفي خريف 1991، أي في أعقاب حرب الخليج؛ شارك ممثلون فلسطينيون بمباركة من عرفات، ضمن وفد أردني - فلسطيني مشترك، في مؤتمر مدريد، الذي أطلق "عملية سلام الشرق الأوسط" برعاية أمريكية.

وبعد إدارة مفاوضات سرية بين قيادة المنظمة والحكومة الإسرائيلية في العاصمة النرويجية أوسلو؛ وقّع عرفات في 1993 اتفاقية "إعلان المبادئ" مع الدولة العبرية، التي تقضي بقيام الحكم الذاتي الفلسطيني في غزة وأريحا، مع اعتراف المتبادل بين منظمة التحرير وإسرائيل، وقد أدى ذلك لانقسام حاد في الشارع الفلسطيني بين مؤيدي تلك التسوية ومعارضيها.

وفي 1994، أُبرم اتفاق الحكم الانتقالي، بينما حصل عرفات على جائزة "نوبل" للسلام سويّة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين ووزير خارجيته شمعون بيريز.

ودخل عرفات إلى الأراضي الفلسطينية بموجب "اتفاق أوسلو" في عام 1994، وفي مطلع العام 1996 تم انتخابه رئيساً للسلطة الفلسطينية، بأغلبية كبيرة.

وبعد سنوات من المفاوضات المتعثرة؛ إنهارت التسوية السياسية أخيراً في قمة "كامب ديفيد" الثانية، صيف سنة 2000، التي جمعت عرفات برئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك وبرعاية مباشرة وحثيثة من الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون.

وقد كان مقرراً في تلك القمة التوصل إلى اتفاق بشأن "الوضع النهائي"، وحسم عدد من الملفات الأساسية كوضع القدس وعودة اللاجئين والنازحين الفلسطينيين والمعابر والانسحاب النهائي من أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة.

وخلال هذه المفاوضات تلقى عرفات تهديداً مباشراً من الولايات المتحدة الأمريكية راعية تلك المفاوضات ان لم يقبل الشروط التي طرحت عليه خلال المفاوضات والتي تتبنى وجهة النظر الإسرائيلية وذلك بحسب ما ذكره هاني الحسن عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح".

وقال الحسن في لقاء سابق مع الصحفيين الفلسطينيين في غزة قبل وفاته بقليل "عرفات رفض شروط الرئيس الأميركي بيل كلنتون في كامب ديفيد وهي أن يقول لا لعودة اللاجئين الفلسطينيين، وأن يقبل بتقسيم السيادة على الحرم القدسي تحت وفوق، وأن يقبل بأن تكون السيادة على بحر وجو وبر الدولة الفلسطينية المطروحة بيد الإسرائيليين، حينها خاطب عرفات كلينتون قائلا (يبدو انك لم تنم جيداً البارحة يا سيادة الرئيس)، فتدخلت وزيرة الخارجية في حينه مادلين أولبرايت وربتت على كتف عرفات وقالت له (إلزم حدودك! أنت تخاطب رئيس أكبر دولة في العالم) ليرّد عرفات بالقول (ولكنه لا يعرض عليّ دولةً بل سجناً)".

وأضاف الحسن "بعد ذلك ذهب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جورج تينت إلى الرئيس عرفات وأمسكه من سترته وقال له (من أنت لتقول لا في البيت الأبيض؟ سأرتب لك موعداً لتعتذر للرئيس وتقبل بشروطه وإلّا ..)، فرّد عرفات قائلاً (فهمت معنى وإلًا، وأنا ادعوك إلى أن تسير في جنازتي ولكن أقول لك لن تجد فلسطينياً واحداً يقبل بهذه الشروط حتى بعد خمسين عاماً)".

وبعد فشل مفاوضات "كامب ديفيد" والتأجيل المتكرّر لإعلان الدولة الفلسطينية، وتراكم الاحتقان الشعبي الفلسطيني من استمرار الاحتلال؛ اندلعت انتفاضة الأقصى في نهاية أيلول (سبتمبر) 2000، مع الزيارة الاستفزازية لآرائيل شارون إلى المسجد الأقصى، حيث أراد الرئيس عرفات قلب الطاولة في وجه الأمريكان من تحالف معهم. بحسب مراقبين.

وكانت "انتفاضة الأقصى" قد شهدت حملات حربية غير مسبوقة شنتها قوات الاحتلال على الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، كما تضمنت تقويضاً تدريجياً للمعالم الأولية لدولة فلسطينية مفترضة، بما فيها مقار عرفات في غزة ورام الله، التي تم استهدافها بالتدمير والحصار.

وقد قضى عرفات سنواته الثلاث الأخيرة في عزلة داخل مقر "المقاطعة" في رام الله، وسط تهديدات إسرائيلية متواصلة له بالقتل أو النفي، إلى أن تدهورت حالته الصحية بشكل سريع في نهاية تشرين الأول (أكتوبر) 2004، وسط ملابسات غامضة.

وعلى إثر ذلك؛ تم نقله إلى باريس، حيث توفي فيها بعد نحو ثلاث أسابيع، وأُعلن عن الوفاة في مشفى بيرسي العسكري الفرنسي فجر الحادي عشر من تشرين ثاني/ نوفمبر 2004.

ومع تشييع عرفات في القاهرة، ودفنه في رام الله؛ يسدل الستار على 75 عاماً عاش فيها ياسر عرفات، وشهدت مسيرة سياسية حافلة بالكثير من المنعطفات والمخاضات العسيرة.

إلا أنه وفي عام 2012 تبنت قناة "الجزيرة" الفضائية القطرية بموافقة أرملته من سهى عرفات، اجراء تحقيق حول كيفية وفاته، ليتبين بعد تسعة أشهر من التحقيق والتدقيق خاصة في مقتنياته الشخصية التي كان يستخدمها قبل موته بوجود مستويات عالية من مادة مشعة وسامة تسمى البولونيوم، بعد فحوصات أجراها مختبر سويسري مرموق بطلب من "الجزيرة" نفسها، الأمر الذي يراه مقربون من عرفات بأنه دليل قاطع على أن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مات مسموما.

واليوم وبعد 11 عاما على وفاة الرئيس عرفات لا يزال لغز وفاته لم يكشف عنه على الرغم من إعلان السلطة انها توصلت إلى الشخص الذي وضع السم له، لكن كم يحتاج الاعلام عن هذا الشخص ومن يقف وراءه على الرغم من ان أصابع الاتهام تشيل إلى الاحتلال ولكن المقصود هو أدوات الاحتلال.

كذلك فإن زوجة الرئيس عرفات سهى الطويل وابنته الوحيدة "زهوة" لا تزالان تعيشان خارج فلسطين؛ فبعد مغادرة فرنسا استقرت العائلة في مالطا، في الوقت الذي تسلّمت فيه "مؤسسة ياسر عرفات" منزل الرئيس الفلسطيني الراحل في غزة وفيه كل مقتنياته، الثلاثاء 10 تشرين ثاني/ نوفمبر الجاري.

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.