رغم غيابه خلف القضبان.. عائلة طفل مقدسي أسير تحتفل بعيد ميلاده

غابت الفرحة عن منزل عائلة الطفل الفلسطيني الأسير عبد الناصر عودة في ذكرى ميلاده الـ 15، ففي حين أصرّت عائلته على عدم التخلّي عن تقليدها المعهود ليوم 19 تشرين ثاني/ نوفمبر من كل عام، بتحضير احتفال صغير تفاجئ فيه نجلها، دخل الطفل عودة عامه الجديد قابعاً خلف قضبان الاحتلال الإسرائيلي.

في الـ 13 من أيلول/ سبتمبر الماضي، اقتحم نحو 60 جندياً إسرائيلياً برفقة ضباط الاحتلال، منزل عائلة عودة في بلدة "جبل المكبر" بمدينة القدس المحتلة، وقاموا بتفتيشه بحثاً عن الطفل عبد الناصر الذي لم يتمكنوا من اعتقاله وطلبوا من العائلة تسليمه في اليوم التالي.

عاد عبد الناصر إلى المنزل عقب انتهاء دوامه المدرسي، لوداع والدته قبل قيامه بتسليم نفسه للاحتلال في مركز تحقيق "المسكوبية"، الذي مكث فيه لمدة شهر كامل خلال عملية التحقيق، قبل نقله إلى سجن "هشارون" ومن ثم "جيفعون".

تقول والدة عبد الناصر "أم إبراهيم"، "لم أتوقّع أن يمرّ عليّ يوم في حياتي ولا أرى فيه عبّود كلّ صباح ومساء، فهو روح المنزل، كان يُداعب إخوته باستمرار، تراه هنا وهناك، ينشر الفرح في كل زاوية من زوايا المنزل الذي بات كئيبا منذ اعتقاله، فمن كان يبعثُ الحياة في قلوبنا قد سلبه الاحتلال من بين أحضاننا".

وتضيف "كنتُ أرى عبّود ما بين كلّ جلسة وأخرى داخل قاعات المحاكم أو في أروقتها، كان قلبي ينفطر عليه فأنا لا أستطيع تقبيله أو احتضانه، وأكتفي بالنظر في عينيه وتفقّد حاله، لكنني في إحدى الجلسات قمت برفع هاتفي وتصويره في المحكمة، حينها تم إخراجي على الفور، وعوقبت بعدم حضور جلستين متتاليتين، وفي هذا الوقت تعرّض أيضاً وَلَدي للعزل في زنازين الاحتلال إضافة إلى سبعة أشبال كانوا معه بعد قيامهم بعصيان على ظروف عيْشهم داخل سجن جيفعون المأساوي السيّء للغاية".

وتشير إلى أنها تمكّنت من زيارة نجلها يوم الأربعاء الماضي لأول مرة، وكان يفصل بينهما حاجز زجاجي، كما أن محادثتهما تمّت عبر سماعة هاتف، قائلةً "المشهد كان قاسياً، بدون تقبيله أو احتضانه أو حتى أن أقترب منه، لقد كان عبّود هزيلاً ومصفرّ الوجه، وبدا لي أنه فقد من وزنه أيضاً، وروى لي ما يتعرّضون له من أذى داخل السجن".

معتقل "جيفعون" الإسرائيلي الموجود في الرملة، كان مخصصاً للأفارقة المتسللين عبر الحدود، حيث قامت سلطات الاحتلال بتحويل العشرات من الأطفال الفلسطينيين من سجونها في "هشارون" و"مجدو" و"المسكوبية" إليه، وهو سجن يفتقر لأدنى مقومات الحياة، فلا وجود لأسِرّة ولا أغطية ولا حوائج كافية، حتى أن نوعية الطعام المُقدّم لهم توصف بأنها "رديئة للغاية".

بقول إبراهيم عودة، إن شقيقه الطفل الأسير كان يهوى التصوير بل يعشقه، وطلب منه مراراً أن يشتري له كاميرا وبنوع محدّد، لكن الظروف لم تسمح آنذاك، مضيفاً "سأقتنيها له حالما يخرج، وسأمنحه إياها كهدية لعيد ميلاده الـ 15".

عبد الناصر هو الفرد الوحيد في العائلة الذي تعرّض للاعتقال، أسرتُه مكوّنة من 6 أفراد، إضافة إلى الأب والأم، فمنذ 69 يوماً وهو رهن الاعتقال في السجون الإسرائيلية التي يتنقّل فيها بين الحين والآخر بأمر السجّان، على خلفية اتهامه بحيازة السلاح، وعلى الرغم من صغر سنّه إلّا أنه "صامد صابر أسد"، كما وصفه شقيقه إبراهيم.

إبراهيم وشقيقه المُعتقل كانا يتقاسمان الغرفة ذاتها، الآن الغرفة بدون أحدهما، وإبراهيم لا يكفُّ عن الغناء لشقيقه الصغير، وتعليق صورٍه على الجدران، كما تروي والدته.

حينما تسمع إبراهيم تجده متأثّراً جداً فشقيقه الذي كان يُشاطره تفاصيل يومه وحياته يقبع الآن في زنازين الاحتلال، ولا يستطيع فعل أي شيء له سوى الدعاء، والخروج من كل هذا العناء سالماً معافى، لكن والدته فتقول "عبّود .. حياتي توقفت لحظة اعتقاله، لم أعد أشعر بشيء رغم أنني أمارس حياتي الطبيعية لكن بدون حياة أو إحساس بأي شيء، كان كلّما رآني حزينة أو غاضبة منه كان يقترب منّي ويقول لي “حبيبْ قلبي إنتَ” ويحتضنني ويقبّلني .. لكنّه الآن .. لا يستطيع".

يقول أستاذ القانون الدولي حنا عيسى، "إن أطفال فلسطين منذ أن وطأ الاحتلال أرضنا وهم يعيشون في ظروف صعبة، من سياسة الاعتقال، والحبس المنزلي، والحكم الإداري، فضلاً عن سياسة الإبعاد عن منازلهم وأحيائهم، إضافة للظروف المعيشية الصعبة التي تحيط بهؤلاء الأطفال من استشهاد أو أسر أحد أقاربهم، ومدى تأثيره على حياة الطفل الذي يجب أن ينعم في هذا العمر بحياة الرفاهية كأي طفل بالعالم".

وأشار في بيان له، إلى أن ما تقوم به به حكومة الاحتلال ضمن سياسة اعتقال الأطفال يأتي مخالفًا لقانون الطفل وخاصة اتفاقية الطفل المادة (رقم 16) والتي تنص على أنه "لا يجوز أن يجري أي تعرض تعسفي أو غير قانوني للطفل في حياته الخاصة، أو أسرته أو منزله أو مراسلاته ولا أي مس قانوني بشرفه أو سمعته".

وطالب عيسى، بتوفير حماية دولية سريعة للأطفال الفلسطينين، وتعزيز وجود اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وتوسيع نشاطاتها لحماية المدنيين الفلسطينيين بمن فيهم الأسرى الأطفال، ومراقبة جرائم الاحتلال الإسرائيلي وبالأخص الإعدامات الميدانية وتنظيم حملات دولية للدفاع عن الأطفال الفلسطينيين الأسرى في سجون الإحتلال الإسرائيلي، بالتنسيق ما بين المنظمات المحلية والعربية والدولية المهتمة.

ووفقاً لمعطيات صادرة عن "الائتلاف الأوروبي للدفاع عن الأسرى الفلسطينيين"، فإن قوات الاحتلال الإسرائيلي اعتقلت أكثر من 1520 فلسطينياً خلال شهر تشرين أول/ أكتوبر الماضي، وأكثر من 500 آخرين منذ بداية شهر تشرين ثاني/ نوفمبر الجاري، ما يرفع عدد المعتقلين منذ بداية الأحداث في الأراضي الفلسطينية إلى أكثر من 2020 معتقلاً، من بينهم 50 امرأة، وأكثر من 500 طفل. 

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.