عام على قناة السويس الجديدة .. كشف الحساب يقتل الحلم

يوافق اليوم السبت السادس من آب/ أغسطس، مرور عام على افتتاح التفريعة الجديدة لقناة السويس المصرية، وسط أجواء احتفالية صاخبة ترافقها حملة ترويج إعلامية للمشروع الذي وصفته وسائل إعلام محلية بـ "المعجزة" و"الحلم" و"هدية مصر للعالم"، في ظل تساؤلات حول ما إذا كانت القناة الجديدة قد حققت فعلا الهدف المرجو من إقامتها، أم أن الإضافة التي حققتها انحصرت بأعباء جديدة حمّلتها للاقتصاد المصري؟

وتأتي الذكرى السنوية الأولى لافتتاح القناة الجديدة، في وقت تشهد فيه مصر جملة من الأزمات الاقتصادية، تتمثّل أبرزها بانهيار قيمة الجنيه مقابل الدولار الذي ارتفع سعره من حوالي 7 جنيهات عام 13 إلى ما يفوق 12 جنيها في الوقت الحالي.

وبحسب معطيات رسمية، فقد قامت الحكومة المصرية خلال عام 2014 بتحصيل مبلغ 64 مليار جنيه (حوالي 8 مليارات دولار بسعر السوق حينئذ) من المواطنين لاستثمارها في مشروع توسعة قناة السويس، بشهادات استثمار بفائدة كبيرة بلغت نسبتها 12 في المائة، على أمل أن يأتي هذه المشروع بفوائد أكبر تغطي التكاليف.

إلا أن تقارير "هيئة قناة السويس" ووزارة المالية والبنك المركزي المصري، تشير إلى أن الوعود الحكومية بمضاعفة مشروع القناة الجديدة لإيرادات اقتصاد البلاد لم تتحقق؛ فلم تزدد أعداد السفن المارة ولم ترتفع الإيرادات، وعلى العكس فقد خفضت القناة رسوم العبور ثلاثة مرات لجذب السفن دون جدوى بسبب تراجع حجم التجارة العالمية.

ويقول خبراء اقتصاديون إن توسيع القناة التي يبلغ طولها 193 كيلومترا، بفرع موازي بطول 53 كيلومترا، والذي كلّف مبلغ 8 مليارات دولار، هو "أمر مفيد لمصر"؛ غير أن تنفيذه في وقت شهد تراجع أسعار النفط والتجارة العالمية، لم يأت بالهدف الاقتصادي المرجو منه، وهو زيادة الدخل المصري.


ثمن باهظ للحلم

"الهدف من قناة السويس كان رفع الروح المعنوية"، وفقا لتصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في حزيران/ يونيو الماضي؛ غير أن تكلفة "رفع الروح المعنوية" التي فاقت 8 مليارات دولار، فضلا عن ديون تراكمت على "هيئة قناة السويس" للبنوك المصرية بقيمة 1.4 مليار تقريبا، إلى جانب تدهور سعر الجنية مقابل الدولار، أحالت حلم المصريين إلى كابوس برأي الكثير من النشطاء والسياسيين المصريين.

وتوضح البيانات الرسمية أن إجمالي ما سيؤول للموازنة من إيرادات "هيئة قناة السويس" سيرتفع بنحو 10.8 في المائة مع نهاية العام المالي الحالي، بسبب فوائد الشهادات التي ستكلف الهيئة 5.6 مليار جنيه (نحو 631 مليون دولار) خلال العام المالي الحالي (2017/2016)، وفقا لبيانات الهيئة.

وتتوقع "هيئة قناة السويس" أن يؤول للحكومة نحو 44.1 مليار جنيه (4.9 مليار دولار) بنهاية العام المالي الجديد، مقارنة بـ 39.8 مليار جنيه (4.48 مليار دولار) في العام المالي السابق.


القناة وأزمة الدولار

وأثرت تكلفة حفر القناة على الاقتصاد المصري، وساهمت في أزمة نقص العملة الأجنبية التي تعانيها مصر منذ العام الماضي.

وأكد محافظ البنك المركزي السابق، هشام رامز، قبل تقديم استقالته في تشرين أول/ أكتوبر الماضي، في تصريحات صحفية، على أن "حفر قناة السويس، وإنشاء محطات كهرباء جديدة كلفت مليارات الدولارات، وهذا سبب الأزمة التي حدثت في الدولار".

وتعاني مصر من أزمة شديدة في العملة الصعبة، نظرا لتراجع ايرادات السياحة والاستثمار وهبوط الاحتياطي النقدي، واضطرار مصر لسداد مستحقات الشركات الأجنبية التي شاركت في عملية حفر القناة بالعملة الصعبة، لإنجاز الحفر في عام واحد، تنفيذا لأوامر الرئيس السيسي، بدلا من ثلاثة أعوام كما كان مخطط له.

لكن هذه التكلفة برأي السيسي "ثمنا غير كبير في حد ذاته لو كان الهدف من قناة السويس أن تُفرّح المصريين"، بحسب تصريحات له خلال ندوة تثقيفية للقوات المسلحة عقدت بعد أيام من افتتاح القناة الجديدة، العام الماضي.


هل زاد عدد السفن وارتفعت الإيرادات؟

بعد أيام قليلة من افتتاح القناة الجديدة قال الرئيس السيسي "بالنسبة للعشرين مليار التي دفعناها في مشروع القناة، فقد وفرنا المبلغ لأن دخل القناة في زيادة، نتيجة ارتفاع عدد السفن المارة فيها من حوالي 45 سفينة إلى 61 سفينة".

لكن بيانات "هيئة قناة السويس" تؤكد على العكس، حيث انخفضت إيرادات القناة في عام 2015 إلى 5.175 مليار دولار مقابل 5.465 مليار دولار في العام الذي سبقه، بتراجع 290 مليون دولار.

وفي خطاب له خلال أيار/ مايو الماضي، استعرض السيسي إنجازات حكومته، ودافع عن قناة السويس قائلًا "سمعت أحاديث حول انخفاض إيرادات قناة السويس، وأنا أقول إنها زادت (...)، وهذا كلام مسؤول"، بحسب قوله.

ورغم نفي السيسي، أظهرت الأرقام المتاحة من "هيئة قناة السويس" نفسها، انخفاضًا في الايرادات بقيمة 290 مليون دولار في 2015 عن 2014، وفي عدد السفن المارة.

كما أظهرت تقارير البنك المركزي بشأن ميزان المدفوعات، أن حجم العائد (رسوم المرور) للقناة انخفض من 4081.4 مليون دولار، قبل حفر القناة الجديدة، إلى 3877.7 مليون دولار بعد حفرها، بحسب الفترة من آذار/ مارس وحتى تموز/ يوليو 2016.

وشهدت إيرادات "هيئة قناة السويس" تراجعا منذ بداية العام الجاري في شهري كانون ثاني/ يناير وشباط/ فبراير، قبل أن ترتفع في آذار/ مارس (بعد حسابها بالجنيه المتراجع أمام الدولار) بنحو 11.8 في المائة، مقارنة بالشهر السابق، لتصل إلى 3.477 مليار جنيه (نحو 382 مليون دولار).

فيما كشف تقرير للبنك المركزي المصري حول إيرادات قناة السويس الجديد نهاية نيسان/ إبريل الماضي، أن رسوم مرور السفن عبر قناة السويس، تراجعت بما يقارب 2.1 مليار دولار، خلال النصف الأول من العام المالي الجاري (2016/2015)، لتحقق ما يزيد على 2.646 مليار دولار، مقارنةً بإيرادات تجاوزت 2.857 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق.

وقد دفع تراجع إيرادات قناة السويس عام 2015، وكذلك استمرار التراجع خلال النصف الأول من العام الجاري 2016، هيئة قناة السويس إلى إعلان تخفيض الرسوم ثلاثة مرات، آخرها في حزيران/ يونيو بنسبة 45 في المائة.

وكان أحد اهداف المشروع المعلنة هي زيادة القدرة الاستيعابية للقناة لتكون 97 سفينة قياسية بحلول عام 2023 بدلا من 49 سفينة خلال عام 2014، ولكن العام الأول للتفريعة الجديدة أظهر أن عدد السفن المارة حتى الآن لا يزال يتراوح بين نفس الرقم الذي كان قبل توسيع القناة.

فبحسب إحصائية لـ "هيئة قناة السويس" فإن ارتفاعا طفيفا طرأ على نسبة السفن المارة في القناة خلال شهر آذار/ مارس 2016 مقارنة بالشهر ذاته من العام الماضي، بنسبة 0.5 في المائة.

وتشير بيانات الهيئة إلى أن السبب وراء عدم تحقيق ما أملته القناة من أرباح، هو تدني حركة التجارة العالمية، والانخفاض الشديد في أسعار البترول، وتباطؤ معدلات نمو الاقتصاد الصيني، وعدم تحقيق منطقة اليورو حتى الآن الانطلاقة الاقتصادية المرجوة.

 

ــــــــــــــــــــــ

من محمد جمال عرفة

تحرير زينة الأخرس

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.