الشهيد محمد شماسنة.. إجازةُ مودّع وإصرار على الانتقام

ما إنْ يُخيّم الليل على القرية، وينام جميع أبنائها وبناتها، تبدأ بالبحث عنه، علّها تجده في إحدى الغُرف، ما زالت حتى اليوم تؤمنُ بعودته رغم أنّها ألقت نظرة الوداع الأخيرة على جسده، وحضنته بقوّة وقبّلته وقالت: "دمك غالٍ يا محمد.. ولن يضيع".

عشرة شهور مضَت، وما زالت تُراودها نفسها بأن محمد لم يمُت وسيعود حتمًا إلى منزله في قطنة (شمالي غرب القدس) وسيقبّل جبينها ويديها، وسيقول لها : "يمّا تعالي نتصوّر صورة"، وستقبل بذلك رغم أن يديها قد تكون متّسخة أو لربّما مشغولة في أعمال المنزل.

"أم معتصم" شماسنة هي أم الشهيد محمد شماسنة (22 عامًا)، الذي ارتقى برصاصات الاحتلال المتتالية في الـ 12 من شهر تشرين أول/ أكتوبر 2015، بعد تنفيذه عملية طعن استهدفت جنديّيْن إسرائيليّيْن داخل حافلة إسرائيلية قرب المحطة المركزية في القدس، قبل أن يُحاول خطف سلاح أحدهما.

"أسد"، تلك الكلمة التي علِقت في ذهنها بعد تنفيده العملية، فحينما جاءهم نبأ استشهاده وبدأ المهنّئون يتوافدون إلى منزلهم في قطنة، جاءها رجل من ضواحي القدس فقال لها: "هنيئًا لكِ يا أم محمد، ابنك كان أسدًا لما قاتلهم، كان ينتظر في المحطة، وأول ما خرج الجنود لحق بهم، وكنت جالسًا في الباص، طعن الأول والثاني، وحاول سحب سلاحهم، لكن رصاص حارس أمن الباص كان أسرع، وما مات، ولكن أعدموه عند وصولنا أول محطّة، بإطلاق النار عليه".

 

إجازة الوداع

كان محمد يزور عائلته مرة في الشهر بسبب انشغاله في عمله بصيانة الإلكترونيات بمدينة رام الله، فهو شاب كغيره مُقبل على الزّواج، وعليه أن يكسب من أجل أن يعمّر منزله في قطنّة، لكن قبل يومين من استشهاده، طلب من شقيقه الصغير يوسف أن يحلّ محلّه في العمل، وبالفعل وافق على ذلك، دون استغراب من والدته رسيلة، فقد كان في ذهنها أنه يودّ أن يرتاح قليلًا.

في إجازته هذه، كان مودّعًا حقًّا، فقد زار أهله وأصحابه وجميع من عرفهم في القرية، كما التقط صورًا تذكارية معهم، لكنّ صورة واحدة قد تركت أثرًا في نفوس ذويه فيما بعد، وهي صورته وهو يحمل سلاح صديقه، حينها قال له: "احتفظ بها"، ولم يكونوا يعلمون بأنه سيفعل ذلك يومًا ما.

 

ثائرٌ منذ صغره

تقول والدته إن أحد الأطباء قال لها يومًا: "ابنك قد نجا من موتٍ محقّق"، فقد كان في صغره كغيره من الشبّان الذين ثاروا من أجل بناء جدار الفصل العنصري، فرشق الحجارة، لتُصيبه رصاصة غادرة في رجله وتخرج من فخذه في الرجل الثانية.

أمّا المرّة الثانية فهي ليلة ما قبل استشهاده، حيث قامت قوات الاحتلال بإطلاق قنابل مضيئة في سماء قطنّة، فارتعبت "أم معتصم" لتجمع أولادها حولها، وقالت لهم إنّ الاحتلال لا يفعل ذلك إلّا إذا تعرّضوا لشيء ما، ضحك محمد، وقالت له "تعال أشمّ إيديك"، فوجدت أن رائحة يديه بنزين وعلمت كذلك بأنه هو من رشق القوات بالزجاجات الحارقة "المولوتوف"، فطلبت منه الخروج من المنزل حتى انتهاء الاحتلال من اقتحام القرية.

عاد محمد، ولم ينمْ ليلتها، حضّر لنفسه عصير الرمّان، شاهدته والدته وهو يصلّي قيام الليل بخشوع ويبكي بحُرقة، استغربت ما يحدث، لكن دون أن تشعر بشيء مُريب يُمكن أن يحصل بعد ذلك، نامت هي وبقي هو وحده، ثم أيقظها كي تصلّي الفجر.

 

يوم استشهاد "حمودة"

صباح يوم استشهاده، كانت سارة شقيقته هي أول من يصحو للذهاب إلى المدرسة، فوجدت أن الوسادة التي كانت تحت رأس محمد قد مالت قليلًا، عدّلت له رأسه ووضعتها جيّدًا، ثم شعر بها، قرّبها منه وحضنها بقوّة وقبّلها (استغربت سارة هذا الموقف)، وأهداها سلسلة عليها خارطة فلسطين، قبل أن يخاطبها: "ديري بالك عليها".

تقول "أم معتصم": "حمودة فاجأني به، عندما خرج من المنزل لم تبدُ عليه هيئة الثائر الذي يودّ أن ينتقم أو يقوم بأي شيء، فقد خرج متأنّقًا يلبس ملابسه الجديدة التي اشتريتها له لعرس شقيقه معتصم الذي كان مقرّرًا في شهر كانون الثاني 2016".

مضيفة: "قلت له، هذه ملابس عرس أخيك، أتركها جانبًا، لكنه لم يُصغ إليّ، وكان في اليوم السابق قد حلق شعره عند أخيه معتصم كأنّه عريس، وقال له احلق لي حلقة حرس الحدود، فسأله لم؟!، قال لا لشيء فهي جملية على وجهي".

وتابعت "أم معتصم": "طلع من البيت رِجِل قدّام ورِجِل ورا"، وتُشير إلى أنه أهدى شقيقته فاطمة هاتفه الجديد بعد أن نزع منه الشريحة، ثم وضع أغنية "أخت المرجلة" في سيارته وغادر وكأنّه يودّع المنزل.

محمد يحمل الهوية الفلسطينية، ولا يُسمح له بدخول القدس أبدًا، لذا قام في الـ 12 من تشرين أول/ أكتوبر 2015، بالوصول للمدينة عبر تسلّق الجدار الفاصل من منطقة الرام شمالي المدينة "تهريب"، ثم إلى أحد الأصدقاء في منطقة أبو غوش، وبعدها مساء إلى الهدف "المحطة المركزية في القدس".

تقول "أم معتصم" لم أستوعب أن "حمودة" ذاك الحنون قد غادر الدّنيا، (...) لكنّي آمنت بأن الله سبحانه وتعالى اختاره من بين ملايين الناس كي يكون شهيدًا في سبيل الله وردًّا على الاحتلال وجرائمه في القدس وانهاكاته بحق المسجد الأقصى، كما أن الله ألقى في قلبي صبرًا كي أكمل الحياة.

تزرع "أم معتصم" في حديقة منزلها الصغيرة، أنواعًا شتّى من الورود والأزهار والصبّار، وجلعت لكل شتلة منها اسم شهيد من شهداء انتفاضة القدس الذين ارتقوا برصاص الاحتلال، وما زالت تُشارك ذوي الشهداء في تشييع أبنائهم أو مظاهرات تُطالب باسترداد جثامينهم، فمحمد أيضًا احتجزت شرطة الاحتلال جثمانه لفترة معيّنة.

ــــــــــــــ

من فاطمة أبو سبيتان

تحرير خلدون مظلوم

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.