تونس.. جدل حول طبيعة العلاقات مع فرنسا بسبب تصريحات لسفير

عاد الجدل مجددا إلى الساحة السياسية التونسية، حول طبيعة الدور الفرنسي في تونس، بعد التصريحات التي أطلقها السفير الفرنسي الجديد أوليفيي بوافر دارفور، التي قال فيها: "إن تونس من البلدان المصدرة للإرهابيين وإن أولوياته على رأس السفارة ستكون أمنية بالأساس من أجل حماية الرعايا الفرنسيين المقيمين في تونس".  

جوهر النقاش الذي شهدته عدد من وسائل الإعلام التونسية، ووسائل التواصل الاجتماعي، تركز أساسا حول حدود الديبلوماسية ودورها.

تدخلت السفارة الفرنسية في تونس، للتهدئة، وأوضحت في بيان لها نشرته أمس الخميس "وكالة الأنباء التونسية"، "أن أوليفيي بوافر دارفور (السفير الفرنسي الجديد بتونس) ذكر لدى سؤاله من قبل صحفي فرنسي بإذاعة "آر تي آل" حول المناخ الأمني بتونس، بالمهام الأساسية للسفارات والقنصليات بالخارج، ومن بينها الحرص الدؤوب على أمن الرعايا الفرنسيين، مبينة أن أمنهم (الرعايا الفرنسيين) في تونس تضمنه وتسهر عليه بشكل مستمر السلطات التونسية، التي قالت إن الحوار والتعاون معها متواصل وجيد"، وفق البيان.

وكان السفير التونسي السابق المحامي سمير بن عبد الله، قد وصف تصريحات السفير الفرنسي الجديد إلى تونس خطأ ديبلوماسيا، وقال: "في كلّ الأحوال فانّ تصريحاته المسيئة لتونس ولصورتها وبالخصوص الماسّة بسيادتها لا يمكن القبول بها ولا تقبلها أيّة دولة تحترم نفسها وتذود عن كرامتها".

واعتبر ابن عبد الله، في مقال له تعليقا على تصريحات السفير الفرنسي الجديد إلى تونس، أن حديث الديبلوماسي الفرنسي عن أن تونس بلد مصدّر للـ "الجهاديين" له تأثير على السياحة التونسية التي تعاني من أزمة غير مسبوقة بسبب هذه الصورة المتداولة في العالم.

وأضاف: "هل نسي سعادته (السفير الفرنسي) أنّ دولته (فرنسا) أحد أكبر داعمي الربيع العربي، مسؤولة عن تنامي الارهاب باسقاط أنظمة مدنية واحلال محلّها أنظمة دينية تنهل من نفس منابع الاسلام السياسي التكفيري؟"، كما قال.

وفي جينيف اعتبر مستشار الرئيس التونسي السابق للشؤون الدولية أنور الغربي، في حديث مع "قدس برس"، أن تصريحات السفير الفرنسي بشأن دوره في تونس، كانت خاطئة، وقال: "شخصيا لا أعتقد بوجود حملة معادية لتونس داخل الطبقة السياسية الفرنسية والتي في أغلبها عبرت عن دعمها للمسار الديمقراطي في بلادنا، ولكن الجدل الذي صاحب تعيين السفير الجديد يؤكد على ضرورة فتح النقاش الصريح والمعمق حول طبيعة العلاقات التونسية ـ الفرنسية من جهة وكذلك الفرنسية المغاربية كمرحلة أخرى".

وأضاف: "ربما نقص  التجربة والمعرفة بالمجال الديبلوماسي خانت السفير الفرنسي المعين وهو يقوم بأول تصريح اعلامي على اثر تسميته  كسفير لفرنسا بتونس، ولكن شواهد كثيرة تؤكد بأن فرنسا الرسمية تسعى للتعامل بايجابية مع مفرزات الديمقراطية في تونس، وربما لم يستحضر السفير الجديد خلفية العلاقات الفرنسية ـ التونسية وكيفية التعاطي مع الأوضاع ما بعد الثورة فجاءت التوصيفات التي ذكرها حول الوضع في تونس مسيئة لبلادنا وللأستثمار وعديد القطاعات مثل السياحة والعلاقات الدولية".

وأشار الغربي إلى أن "السلطات الفرنسية طالبت في السابق من السلطات التونسية تكثيف الحراسة حول المقرات الرسمية والمدارس، كما طالبت وزارة الخارجية الفرنسية الفرنسيين المقيمين في تونس الحذر، ولكن تبين للجميع حقيقة اليقظة الأمنية والعسكرية والألتفاف الشعبي حول مؤسسات الدولة وحماية جميع المواطنين والمقيمين من كل البلدان دون استثناء، وهذا وحده كاف ليطمئن الجميع".

وأضاف: "في تونس لم نشعر أن هناك أي خطر يهدد أي دولة معينة ولم تشهد بلادنا على عكس بلدان أخرى أعتداءات ضد جالية أو فئة بعينها".

ودعا الغربي السلطات الفرنسية لتوضيح سياستها تجاه تونس والأعلان عن اجراءات فعلا ودية بعيدا عن كل مؤثرات.

ومن هذه الأجراءات التي، يرى الغربي، أنه بامكانها طمأنة الشعب بأن فرنسا شريك حقيقي في المسار الديمقراطي هو التسويق لمخطط التنمية والتنسيق  لتحويل وجهة المستثمرين الفرنسيين نحو السوق التونسي وكذلك المساعدة في استرجاع الأموال المهربة الى فرنسا وتحويل جزء اخر من الديون الى استثمارات يتم الأتفاق عليها بين الطرفين، كما يمكن التفعيل الجدي للأتفاقية بين البلدين في مجال التعاون الدولي والهجرة والتي تأخذ في الأعتبار الوضع الجديد لبلادنا".

ودعا الغربي الحكومة التونسية إلى "عدم الأسراع بقبول اعتماد السفير الجديد الى حين الحصول على ضمانات تخص التمشي الديبلوماسي الداعم للمسار الديمقراطي والقطع مع الأجراءات التي تمس أمن وسلامة المواطنين واحترام مؤسسات تونس"، على حد تعبيره.

وكان السفير الفرنسي الجديد لدى تونس "اوليفييه بوافر دارفور" قال في تصريح نشر أول أمس الاربعاء، ان مهمته الرئيسية ستكون الحفاظ على امن 30 الف فرنسي في تونس.. من بينهم 15 الف شاب. واستطرد السفير الجديد قائلا في تصريح لافت لقناة RTL انه هؤلاء "يمثلون اهدافا للارهاب، ويجب تامين القدرة على حمايتهم في بلدان مثل تونس والتي نعلم انها منتج رئيسي للجهاديين".

وليست هذه هي المرة الأولى التي يثار فيها جدل حول طبيعة العلاقات التونسية ـ الفرنسية، فقد سبق للحكومة التونسية أن احتجت أكثر من مرة وأبلغت السفير الفرنسي السابق رفضها للتدخلات الفرنسية المتكررة في الشأن التونسي مع الحرص على بناء علاقات احترام متبادل.

ونقلت مصادر سياسية تونسية مطلعة، تحدثت لـ "قدس برس" وطلبت الاحتفاظ باسمها، أن تونس كانت قد عبرت سنة 2013 وباسم رئيس الحكومة حينها عن القلق إزاء تصريحات وزير الداخلية الفرنسي وقتها ورئيس الحكومة حاليا مانويل فالس، والذي قالت المصادر بأنه "اعتبر بان تونس ليست نموذجا للربيع العربي، وكان طالب فيها حكومة بلاده بدعم "العلمانيين والديمقراطيين" في مواجهة "الفاشية الإسلامية".

وأضافت المصادر أن "السلطات التونسية طلبت في وقت سابق من السفير الفرنسي وفي أكثر من مناسبة التزام الحياد وضرورة التقيد بالاعراف الديبلوماسية، ولعل أبرز تلك الحوادث هي زيارة السفير السابق لنقابة الصحافيين والإعلان عن دعم مطالبهم، وكذلك زيارة ضريح والإعلان عن منح لأعادة تهيئة الولي الصالح في حين كانت البلاد تحتاج لدعم مشاريع التنمية والتصدي لموجة التخريب الممنهج وتدمير الأضرحة كان جزءا من الصراع السياسي القائم"، وفق تعبيرها.

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.