التطبيع.. خدمة عربية لـ "إسرائيل" ومدخل لتقوية علاقاتها الدولية

تواصل وفود عربية (أفرادًا وجماعات) زياراتها التطبيعية العلنية والسرية لدولة الاحتلال، زاعمة أنها تحاول "مدّ" جسور التعاون والحوار مع الإسرائيليين، وفتح آفاق لحل الصراع المستمر منذ عشرات السنين.

وأثارت تلك الزيارات ردود فعل مستنكرة، حيث وصفها كثيرون بأنها تحسين لصورة نتنياهو، وحذّرت فصائل فلسطينية من خطورة أي زيارات أو نشاطات لأي شخصيات أو وفود عربية أو إسلامية تطبيعية مهما كان مبررها.

بدورها، رأت حركة "حماس" في بيان لها تعقيبًا على ذلك، أن الإتصال بالاحتلال ولقاء قادته، "يعكس خطورة، تسهم في تشكيل مجموعة من المتأثرين بالتطبيع والمروجين له مع الاحتلال".

رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، تفاخر في عدة لقائلات بالعلاقات القائمة بين حكومته ودول عديدة في المنطقة، وقال إن "انقلابًا حدث في علاقتنا مع دول عربية مهمة"، مضيفًا أن "هذه الدول العربية صارت تفهم أن إسرائيل ليست عدوًا، وإنما حليف وسند في مواجهة تصاعد أخطار الإسلام المتطرف على شاكلة تنظيم الدولة الإسلامية"، على حد تعبيره.

وزعم نتيناهو أن هذه العلاقات تساهم في تحقيق السلام، متغافلًا الأهداف السياسية والاقتصادية التي يمكن أن تجنيها تل أبيب من خلف هكذا علاقات.

وأضاف: "التطبيع مع العالم العربي يمكنه أن يساعدنا في حث السلام بيننا وبين الفلسطينيين".

فيما تطرق الإعلام العبري لتفاصيل بعض من هذه الزيارات واللقاءات،  فكتب المعلق العسكري في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أليكس فيشمان، عن ذلك قائلًا "الغرام السري يخرج إلى العلن"، في إشارة منه لتنامي التطبيع.

إدانات لقاءات التطبيع العربي- الإسرائيلي لم تقتصر على الفصائل والشخصيات السياسية، بل تعدى ذلك ووصل إلى مؤسسات والفعاليات الشعبية والأهلية، ومنها اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل، والتي أكدت على أن صمت الحكومات العربية على مشاركة ممثليها الرسميين وغير الرسميين في لقاءات التطبيع، "تواطئًا مشينًا من قبل هذه الحكومات في دعم الأجندة الإسرائيلية الساعية لتطبيع العلاقات مع الوطن العربي لتصفية القضية الفلسطينية، وضرب كل أشكال المقاومة الفلسطينية والعربية لنظام إسرائيل الاحتلالي والاستعماري والعنصري".

ودعت اللجنة في بيان لها، إلى تصعيد الحركات الشعبية لمقاطعة إسرائيل وتكثيف الضغوط على "الحكومات العربية المتواطئة لوقف هذا تطبيعها المشين".

كما  أدانت اللجنة في بيانها، الدور الذي يلعبه مسؤولون فلسطينيون وما تسمى بـ "لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي"، المنبثقة عن "منظمة التحرير الفلسطينية"، في نشر فكر التطبيع وترويج مشاريعه، وبناء جسور تستخدمها بعض الأنظمة العربية كذريعة لتطبيعها.

وشددت على أن "المحاولات اليائسة" من قبل بعض الأنظمة العربية للتعامل المتدرج مع إسرائيل لا كدولة "طبيعية" وحسب، بل كحليف محتمل في التجاذبات والصراعات الإقليمية، لا تخدم إلا تل أبيب ومشروعها الاستعماري التوسعي، بحسب تعبير اللجنة.

من جانبه، أكد عماد أبوعواد (المختص بالشأن الإسرائيلي)، أن الاحتلال يرى بأي علاقته مع الدول العربية خدمة له من نواحي مختلفة ومنها السياسية، خاصة في ظل تراجع العلاقة السياسية بين الاحتلال ودول على الساحة الأوروبية.

وشدد عواد خلال حديث مع "قدس برس"، على أن المدخل العربي مهم لدى الاحتلال الإسرائيلي لتقوية العلاقات مع دول أخرى في العالم، "يمكن أن تكسبها دولة الاحتلال لصالحها في الأمم المتحدة، وفي محافل دولية أخرى".

وأشار إلى أن هناك مطالبات مستمرة من قبل قيادات أمنية وسياسية إسرائيلية بضرورة أن تخرج اللقاءات السرية معها إلى العلن ولا تبقى تحت الطاولة.

لافتًا النظر إلى أن كثيرًا من اللقاءات التطبيعية السرية تتم بطلب عربي، منعًا لردود فعل داخلية من قبل جمهورها.

وأضاف: "الإعلام العبري يسعى للكشف عن بعض اللقاءات السرية بتوجيه من المستوى السياسي، وتتحدث كثير من المعطيات أن حوالي نصف الدول العربية لها علاقات بشكل أو بآخر مع الاحتلال وهو ما تحرص غالبية هذه الدول على عدم كشفه".

وبيّن المختص بالشأن الإسرائيلي أن هناك شريحة واسعة في دولة الاحتلال تفضل أن تتم أي مفاوضات مع الفلسطينيين بمشاركة وغطاء عربي، ليكون ذلك وسيلة لحسم المشكلة الفلسطينية وتحميل العرب المسوؤلية، وذلك تحقيقًا لرغبة فلسطينية، بعد الاشتراطات التي أصبح من الصعب التراجع عنها من قبل القيادة الفلسطينية.

ولفت عواد إلى أن هناك مآرب اقتصادية يسعى الاحتلال لتحقيقها من إقامة علاقات إسرائيلية- عربية، ومن بينها توفير سوق استهلاكي للصناعات الإسرائيلية، بعد أن طرأ تراجع على حجم الصادرات إلى الدول الأوروبية في الآونة الخيرة.

ورأى أن هناك سخط شعبي من مدى تطور علاقات التطبيع بين دول عربية والاحتلال، في ظل جرائم الأخير المستمرة بحق الشعب الفلسطيني.

وفي السياق ذاته، قال المحلل السياسي عدنان أبوعامر، إن علاقات الاحتلال مع الدول المحيطة وطيدة وعمرها يزيد عن 30 عامًا، "إلا أن الجديد هي العلاقات السرية التي بدأت تخرج  للسطح مع دول بعيدة عن إسرائيل جغرافيًا، مثل دول الخليج".

وأوضح أبوعامر خلال حديث مع "قدس برس"، أن دولًا عربية مختلفة؛ خاصة الخليجية منها، تسعى لإقامة علاقات مع الاحتلال، لاعتبارات كثيرة، منها المساعدة في مواجهة التنظيمات الجهادية، وكذلك النفوذ الإيراني، ناهيك من أن العلاقة تساهم في تقارب هذه الدول مع الولايات المتحدة عبر دولة الاحتلال.

وبيّن المحاضر الجامعي، أن الاحتلال لا يُخفي أن هناك تقدمًا حقيقيًا وجديًا في علاقاته مع دول عربية، ويُشير (الاحتلال) أن هذه العلاقات أصبحت تحالفًا أقرب مما هي علاقات عابرة.

وذكر أن هناك مكاسب كثيرة يحصدها الاحتلال من وراء توطيد علاقاته بالمزيد من الدول العربية، فهي ترى (إسرئيل) أنها بعد أن كانت دولة منبوذة، أصبح الاعتراف بها رسميًا، ولم تعد الدولة العدو بالنسبة للعرب.

وتابع: "هذه العلاقات تساهم في تطويع وترويض الذهنية العربية على قبول إسرائيل كأي دولة في العالم، وهناك تخوف من أن تغادر فكرة القضاء على إسرائيل أذهان الطير من العرب".

وأشار إلى أن الدول العربية بهذا التطبيع تقدم خدمة مجانية لإسرائيل، مقابل مصالح آنية سياسية وعسكرية، "خاصة أن هناك مخاوف لدى بعض هذه الدول من تهديد أنظمتها السياسية، معتقدة أن ارتباطها بالاحتلال يمد لها أسباب الحياة".

ــــــــــــــ

من محمد منى

تحرير خلدون مظلوم

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.