الأثواب الفلسطينية المطرّزة .. من التقليد إلى الحداثة والإبداع

بالإبرة والخيوط المصبوغة بألوان العلم الفلسطيني، تطرز الفلسطينية ثوبها لتعبّر عن الطبيعة التي كانت تعيش بها، فرسمت البرتقال وعناقيد العنب، والأشكال الهندسيّة التي خيطت بدقّة وفن وإبداع.

ربّما غاب الثوب الفلسطيني في الأعراس لفترة قليلة، إلّا أنه عاد وبقوّة في السنوات العشر الأخيرة، وبشتّى الأشكال، لنرى صنوفاً مختلفة من الحداثة على الملابس والحليّ من خلال تطريزها بنقوش تقليدية قديمة، كما أن الفلسطينيات بتن يقمن بحفلة تسمّى بـ”ليلة الأثواب”، تلبس فيها كل فتاة وسيّدة ثوبها الفلسطيني الأجمل لتتباهى به أمام أهل العرس.

مديرة مركز التراث الفلسطيني في مدينة بيت لحم، مها السّقا، تقول لـ "قدس برس" إن التطريز مأخوذ من الثوب الفلسطيني الذي يعتبر هويّتنا، فالفلسطينية عبّرت من خلال ما يحيط بها من بيئة وأشجار وجمال من خلال التطريز.

وتضيف أن الفلسطينية لم يكن لديها إمكانيات لتوثيق ما حولها، فعملت بالإبرة والخيوط على رسم ذلك، فاليافاويات مثلاً رسمن زهر البرتقال وشجر السرو على أثوابهن الفلسطينية مشيرة إلى أن كل ثوب يحكي قصة قرية ومدينة فلسطينية.

وتبيّن أنه يُمكن التعرّف على هويّة الفلسطينية (من أي قرية أو مدينة) وذلك من ثوبها، فالفلسطينية طرّزت ثوبها منذ أن كانت في سنيّن عمرها الأولى، وهو ذات الثوب الذي هُجّرت به من قريتها وبلادها، وهي أيضاً طرّزته ليوم زفافها الذي انتقلت به من بيت أهلها إلى بيت زوجها، وهو بالتالي أهم ما تملكه.

وتوضح أن “الاحتلال الإسرائيلي لم يكتف بسرقة الأرض وتغيير ملامحها وطمس معالمها، ولم يجد تراثاً له يدافع عنه وعن وجوده في فلسطين، فأصبح يسرق أكلاتنا الشعبية الفلسطينية وموسيقانا وحُليّنا وموروثنا الشعبي، حتى يقول للعالم أنه موجود على هذه الأرض”.

وتعلّق السقا على ذلك بالقول “إن الاحتلال لم يعرف أن الوطن هو تراكم تراث وحضارة وأن الشعب الذي شارك في إثراء هذا الوطن يستطيع أن يقول بقوّة وبصوت عال "هذا وطني"، ولن يستطيع سرقة تراث تحافظ عليه الأجيال جيلاً بعد جيل”.

منذ الانتفاضة الأولى، أصبح هناك نضال من نوعٍ آخر، وهو الدّفاع عن التراث، فأصبحن الفلسطينيات يلبسن الثوب الفلسطيني في جميع المناسبات وحتى في المظاهرات، وتقول السقا: “علينا أن نمارس التراث حتى يبقى ملكاً لنا”.

وتوضّح أن “هذا الثوب هو ثوب أمّي وجدّتي وابنتي مستقبلاً، وهذا ما نسمّيه \التواصل بين الماضي والحاضر في الحفاظ على التراث، وتعزيز الفخر بتراثنا الفلسطيني”.

في الآونة الأخيرة، بدت الموضة التي طرأت على الملابس الحديثة لافتة من خلال شراء أي قطعة في السوق، وتطريز أجزاء منها، كأن تشتري الشابة فستاناً أسوداً، وتختار أن تضع لها زُنّاراً مطرّزاً كإضافة فنية وتراثية في الوقت ذاته، إلى جانب إدخال الزخارف المطرّزة في الحليّ والحقائب.

تقول السّقا: “إن ما يقمن به الشابات على الملابس الحديثة الجاهزة هو فن راقٍ وجميل جداً لأنّ الغرض منه هو الحفاظ على التراث الفلسطيني وأصالته، لكنّ هذا التحديث يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الحفاظ على أصالة الزخرف المأخوذ من أثوابنا القديمة للحفاظ على الهوية، كما أنه يجب أن يحافظ على الاحتشام حتى لا نشوّه فكرة وعظمة أثواب جدّاتنا.

مها السقّا قرّرت أن تقوم بخطوة وطنيّة بامتياز، حيث حصلت على موافقة مبدئية من وزيريْ الثقافة والتربية والتعليم الفلسطينييْن لتغيير الزي المدرسي للطالبات بشكل كامل، لكنّ العائق الوحيد أمام هذه الخطوة هم التجار.

وتشير إلى أنها اختارت اللونين الكنعاني الأرجواني والكحلي، وطرّزتهما بأهم الزخارف الفلسطينية (النجمة الكنعانية الثمانية، وزخرف القلادة من ثوب غزة، وزخرف زهر البرتقال من ثوب يافا)، وحصلت على الموافقة على هذا الزي، إلّا أن العقبة كانت في التجار فقط وليس الأهل، كما قالت.

وتعتبر السقا أن الزي المدرسي الفلسطيني الحالي هو أشبه بـ”ملابس السجون”، وأن الطالبات لا يرغبن نهائياً بلبسه ويخجلن منه، وبالتالي يجب أن يُمارس الضغط الشعبي على الوزارات المعنية لتغيير هذا الزي، قائلة "فما أجمل أن نرى طالباتنا بنفس الزي المطرّز، وكم سيكون هذا المشهد مؤثّراً وفخر لنا أمام العالم".

كما دعت السقا وزارة السياحة إلى عمل لباس خاص بموظفي الاستقبال في الفنادق والأماكن السياحية يحمل هوية الشعب الفلسطيني من خلال تطريز بعض الزخارف التي تليق بشعب له حضارة وتاريخ وعراق وتراث لا يُمكن أن يسلبنا الاحتلال إيّاه طالما مارسناه.

وختمت بالقول: “أنا فخورة في كل امرأة تعمل في التراث، وهي المهنة التي أشعر أن المرأة تتقنها بشكل ممتاز، كما أنها ترفع من مستواها الاقتصادي”.

ـــــــــــــــــ

من فاطمة أبو سبيتان

تحرير محمود قديح

 

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.