كيف يقضي الأسرى المسيحيون وعائلاتهم الأعياد الميلادية؟

دقّت الأجراس احتفالاً بعيد الميلاد، وامتلأت شوارع ومنازل المدن الفلسطينية بالزينة والأشجار المضاءة، سوى ذاك المنزل في مدينة البيرة بالضفة الغربية المحتلة، التي أبت ربّته أن تضع شجرة الميلاد فيه، ففرحتها ما زالت ناقصة.

"ألكساندرا حلبي"، أم رائد (64 عاماً)، والدة الأسير رامي حلبي الذي يقبع في سجون الاحتلال منذ عامين، والتي لم يهنأ لها بال منذ عام 2004، بسبب الاعتقالات المتكررة لأبنائها الأربعة.

وتقول الوالدة لـ "قدس برس"، إن الاحتلال يتعمّد أن يسرق الفرحة من الفلسطينيين، "فجميع أولادي خضعوا للاعتقال لسنوات، وفي إحدى المرات كان أبنائي الأربعة داخل السجون، وكنت أقضي الأسبوع في زياراتهم، كان قلبي ينفطر عليهم، فأنا أريد أن يكونوا حولي، أزوّجهم وأفرح بهم كأي أم".

رائد (32 عاماً)، رامي (30 عاماً)، نائل (28 عاماً) وناصر (26 عاماً) أبناء عائلة حلبي، الذين قضوا سنوات في سجون الاحتلال بعيداً عن العائلة، فلم يعيشوا أجواء عيد الميلاد أو يزينوا الشجرة كما كانوا يفعلون وهم صغاراً.

وذاقت عائلة حلبي الويلات والحسرات من ممارسات الاحتلال على مرّ السنوات الماضية، فما إن يفرحوا بخروج أحد أبنائهم من السجون، حتى تعاود سلطات الاحتلال اعتقال آخر منهم.

رامي اليوم هو من تبقّى في السجون، حيث اعتُقل عام 2014 (في أحداث الشهيد محمد أبو خضير)، أثناء عمله في القدس، ولم يكن قد مضى على خروجه من السجن في المرة الأولى سوى ستة أشهر.

أدانته المحكمة الإسرائيلية بانتمائه ونشاطه في الجبهة الشعبية، فحُكم بالسجن لمدة ثلاث سنوات ونصف.

وتضيف "أم رائد"، بأن رامي يُحاول إقناعها بوضع الشجرة من أجل الأحفاد، لكنّها تردّ عليه قائلة: "يمّا فش نِفْس للعيد والفرحة طالما إنتَ بعيد.. وأنا مريضة".

"طيلة السنوات الماضية عشنا بعدم استقرار وقلق دائم، وعدم راحة، فكيف يكون البال مرتاحاً وأبناؤنا داخل السجون الإسرائيلية يخضعون لتفتيشات دورية قاسية، وبظروف معيشية صعبة"، تتابع "أم رائد".

وتستذكر أليكساندرا الأيام التي كانت تقضيها مع الأولاد والعائلة قديماً إمّا في بيت لحم أو القدس، إلى جانب الصور التذكارية التي كانت تجمعهم في الأعياد الميلادية، والاجتماع ليلة رأس السنة والأمنيات بعام أجمل وأكثر أماناً، لكنّها اليوم تقول عن عيد الميلاد "إنه كباقي الأيام".

فيما تتمنى "أم رائد" أن يتم إفراغ السجون الإسرائيلية من جميع الأسرى و"أن يعودوا لعائلاتهم سالمين معافين، وأن تُمحى كلمة احتلال من حياتنا".

على عكس "أم رائد"، فإنّ حنين نصار (33 عاماً)، زوجة الأسير رامي فضايل (37 عاماً)، وهو أحد الأسرى المعتقلين إدارياً، تُحاول أن تكسر الاحتلال بـ"الفرح والبهجة"، كما تقول.

ولم تلغ حنين زينة العيد ونصب الشجرة منذ عشر سنوات، وهي المدة التي مضت على اعتقال زوجها الأسير، بل تؤكد أن تلك الزينة أشبه بـ"حركة استفزازية" للجنود الإسرائيليين.

وتضيف نصّار لـ"قدس برس"، "أنه في إحدى السنوات التي تمت خلالها مداهمة منزلنا في كفر عقب، عمد جنود الاحتلال على تخريب الشجرة بالبارودة، حيث قام أحد الضباط بـ"رفسها" عقب تفتيش المنزل فسقطت على الأرض، فيما قام جندي آخر بتحطيم زينة الميلاد التي كانت تضعها ابنتي ميس على رأسها".

ولم يعش الأسير رامي وزوجته حنين حياتهما باستقرار، فمنذ عام 2000 كان اسمه ضمن المطلوبين والمُطاردين لدى الاحتلال، وعندما اعتُقل حُكم بالسجن لمدة 3 سنوات وخرج بعد مضيّ 26 شهراً في إحدى الصفقات.

لكن خلال هذه الفترة، تمكّن رامي من خِطبة حنين، وأهدته في يوم الأسير الفلسطيني الذي صادف الـ17 من شهر شباط عام 2004، خاتم الخطوبة، وألبسته إياه من خلف القُضبان.

وفي الثالث من شهر تموز 2005 تزوّجا، ومنّ الله عليهما بـ"ميس" بعد نحو عامين، والتي تبلغ من العمر اليوم 10 سنوات، من بينهن خمسٌ لم تعش فيها مع والدها بسبب اعتقاله داخل السجون.

ومن يسألها عن سبب اعتقاله، تردّ عليه ميس فوراً "علشان إنتو تعيشوا مبسوطين"، ولا تقول شيئاً آخر، فهي كتومة كما تقول والدتها، ولا تجهر ما في قلبها كثيراً.

وبعد مضايقات إسرائيلية كبيرة، ومُطاردات، وملاحقات واعتقالات ما بين السجن الفعلي والإداري، على مدار السنوات التي جمعتهم الثلاثة معاً، اعتُقل رامي في الثامن من شهر كانون أول عام 2015، وفي كلّ مرة يتم تمديد اعتقاله بحجة "الملف السري".

لكنّ الشجرة أُقيمت كالمعتاد، فـ"رامي" بالقلب كما تقول حنين، و"نحن شعب يحبّ الحياة حتى لو كانت في أسوأ الظروف".

وتُضيف: "لديّ طفلة وأريدها أن تعيش كغيرها من الأطفال، ولن أحرمها من بهجة العيد (..) أعلم أن الأمر يبدو قاسياً كون والدها في السّجن، لكنّ ما يقهر الاحتلال هو فرحنا بكل تفاصيل حياتنا".

وتوضّح أن الاحتلال حرم رامي من حريّة التنقّل بين المدن الفلسطينية، وزيارة كنيسة المهد وحضور احتفال إضاءة الشجرة ومناسبات أخرى، "ليُصبح حبيس مدينة رام الله (..)، ليس مهمّاً المكان، الأهم أن نحتفل كعائلة معاً، ونلتقط لأنفسنا صورة تذكارية تجمعنا سوياً، والتي أتمنّاها بشدّة اليوم".

وعادة ما يقوم الأسرى بالاحتفال بالأعياد المسيحية أو الإسلامية سوياً ويتبادلون المعايدات بكل محبة، وكان أحدهم قد قرر هذا العام أن يصنع لباقي الأسرى "البربارة"، في  عيد ما يسمّى بـ"عيد البربارة"، وهو عبارة عن طبق من الحلوى والمكسّرات.

اثنا عشر أسيراً فلسطينياً من المسيحيين يعيشون هذا العام أيضاً، بعيداً عن عائلاتهم وزوجاتهم وأصدقائهم، ويقضون أجواء عيد الميلاد في السجون الإسرائيلية، لكنهم يخلقون لأنفسهم أجواءً مختلفة رغم ضيق المكان والقضبان الثقيلة على القلب والأسوار العالية، فيهنئون بعضهم البعض، ويحضّرون الكعك والمعمول بما توفّر لديهم ويوزّعونه على بعضهم، ويعيشون الفرح رغم أنف الاحتلال.

ــــــــــــــــــــ

من فاطمة أبو سبيتان

تحرير ولاء عيد

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.