"عبرنة" شوارع وأحياء القدس.. سطوة إسرائيلية على تاريخها

مشروع قائم منذ سنوات وبلدية الاحتلال تجري بالعمل به على قدم وساق

ما فتئ الاحتلال يمارس سطوته على مدينة القدس بتاريخها وتراثها، حتى وصل إلى تغييرها معالمها، وتسمية شوارعها بأسماء عبرية ذات دلالات توراتية، في خطوة لتهويد المدينة ونزعها من جذورها وفرض الطابع اليهودي عليها عنوة.

يقول عضو لجنة الدفاع عن أراضي سلوان، فخري أبو دياب، إن تهويد و"عبرنة" (فرض الأسماء العبرية التوراتية) شوارع مدينة القدس تتّم من قبل بلدية الاحتلال منذ سنوات طويلة، لافتاً إلى أن تغيير الأسماء يأخذ اتجاهين؛ فالأول وهو الأهم بالنسبة للاحتلال، أن يتم "عبرنة" أسماء الشوارع التي تقع ضمن ما يسمونه بـ "الحوض المقدس" والمناطق التي يسعى إلى طرد الفلسطينيين منها وتهويدها، أما الاتجاه الآخر فهو التدرج والتمهيد لتسميات الشوارع غير المعني بها حاليا لمرحلة لاحقة.

ويوضح أن الشوارع المحيطة للبلدة القديمة والمسجد الأقصى قد بدأ العمل بها فعلياً، فـ"شارع وادي حلوة" مثلاً وهو الشارع الرئيس في بلدة "سلوان" الواقعة جنوبي شرق القدس- هو الطريق الموصل ما بين سلوان والبلدة القديمة - سمي بـ "معالوت دافيد".

ويؤكّد أن كل المسمّيات العبرية التي تضعها بلدية الاحتلال في القدس، هي أسماء لها علاقة بالتلمود والتوراة، والعقيدة اليهودية، خاصة الفترة التي يسمونها بـ "حقبة الهيكل" المزعوم، ويُريدون أن يثبتوا من خلالها (الأسماء) أن هذه المناطق كانت جزءاً من "الهيكل".

ويُلفت أبو دياب النظر إلى أن المقدسيين قدّموا مشروعاً سابقاً لبلدية الاحتلال يقوم على تعريب شوارع القدس وإعادة ما كانت عليه سابقاً، لكن الاحتلال استغلّ الأمر لصالحه، وقامت بلديته في القدس بمشروع أضخم من خلال إزالة المسميات العربية واستبدالها بالعبرية.

ويقول إنه مع حلول عام 2017 سيتم تغيير العديد من الأسماء وفقاً لمخططات بلدية الاحتلال، خاصة الشوارع المهمة مثل شارع "السلطان سليمان القانوني"، وهو الشارع الممتد من "باب الجديد" وحتى "متحف روكفلر" و"باب الأسباط"، وتُريد بلدية الاحتلال أن تُسمّيه بـ "المظليين"، وقد أسمت جزءاً منه بهذا الاسم، وسنفاجأ يوماً بأنه تغيّر.

أما مدير السياحة والآثار في المسجد الأقصى، وأحد المحاضرين في جامعة القدس، الدكتور يوسف النتشة، يوضح أنه فيما لو تم تغيير اسم شارع "السلطان سليمان" فإن ذلك يعتبر تزييف للتاريخ، معتبراً أن إطلاق اسم عسكري على منطقة عريقة، ترتبط بتاريخ مدينة القدس "أمر خطير". وقال: "إن أسماء الشوارع عادة ما تعكس ثقافة البلد وحضارتها، وتغيير أسمائها غير مبرّر له".

ويبّين في تصريحات لـ "قدس برس" أن هذا الشارع يرتبط بالسلطان سليمان القانوني، الذي حكم أربعين عاماً، وكانت الدولة العثمانية في عهده قد وصلت الذروة في التوسع والتقدم والازدهار، وانعكس ذلك على مدينة القدس.

ويُضيف أن السلطان سليمان اهتمّ بالمسجد الأقصى ومصلياته ومرافقه، كما قام على إعادة بناء سور القدس التاريخي، وهو ما زال حتى اليوم أحد معالم المدينة الأساسية، كما عمل على مشروع لتوصيل المياه للقدس عبر قناة السبيل (مجموعة من الأسبلة).

ويوضح أنه تيمّناً لما قام به السلطان سليمان القانوني اتجاه القدس والأقصى، اتُّفق على تسمية أحد أهم شوارع المدينة المشهورة خارج السور باسمه، حيث يمتد الشارع من "باب العامود" وصولاً إلى "باب الساهرة"، مرورا بالمتحف الفلسطيني (روكفلر)، حتى برج "اللقلق".

ويشير النتشة إلى أن معالم هذا الشارع بدأت بالظهور مع بداية القرن العشرين، وهو يضمّ اليوم عدداً من المباني المشهورة التي يعتز بها أهل القدس، كمدرسة الراشيدية، ومبنى البريد، والمتحف الفلسطيني، إلى جانب أبواب البلدة القديمة (بابا الساهرة والعامود)، كما أنه يزداد أهمية كونه متقاطعاً مع "شارع صلاح الدين" تخليداً لذكرى واعمال صلاح الدين الأيوبي.

من جانبه، يقول مدير مركز "معلومات وادي حلوة" في سلوان، جواد صيام، إن هذا المشروع الاستيطاني موجود منذ عشرات السنين، كما أن تغيير أسماء الشوارع و"عبرنتها" هو تحصيل حاصل لأي مشروع استيطاني.

ويُضيف أن خرائطهم لا تحوي أبداً اسم "حي وادي حلوة" بل باسم "مدينة داود"، وذلك ضمن مخططات بلدية الاحتلال التي تهدف إلى إزالة "حي وادي حلوة" الملاصق للمسجد الأقصى والبلدة القديمة.

وبعد إزالة اسم "شارع وادي حلوة" وإطلاق اسم "معالوت عير دافيد"- بالعربية يعني طلعة مدينة داود- قامت بلدية الاحتلال بامتصاص غضب سكان الحي، وأطلقت اسم "شارع وادي حلوة" على أحد الشوارع الفرعية.

يقول صيام لـ "قدس برس" بالطبع هذه حركة لا نقبل بها، ونحن نعلم تماماً بأن اسم هذا الشارع الفرعي، سيتم تغييره لاسم عبري عاجلاً أم آجلاً، فهم يمحون كل معلم واسم فلسطيني في المدينة ويستبدلونه باسم يهودي توراتي.

ويوضح أن بلدية الاحتلال تقوم أيضاً بإزالة الأسماء العبرية، وإعطاء الشوارع أسماء "محايدة"، يُخيّل إليك بأنها عربية، لكني متأكّد بأنها تمتّ لهم بصلة إما دينية أو سياسية، لافتاً إلى تغييرها لأسماء شخصيات إسرائيلية بالنسبة لهم "أبطال" وبالنسبة لنا "مجرمون".

لكنّ الأخطر في هذا المشروع، هو إجبار المقدسيين على التعامل مع هذه المسمّيات، فعندما يذهب أحدهم لمراجعة المؤسسات الإسرائيلية مثل شركة الهواتف أو شركة المياه أو بلدية الاحتلال، سيجد المقدسي اسم حيّه وفقاً للاسم العبري، ولا يُمكن التعامل معه على الاسم العربي نهائياً، فيكون مُجبراً على ذلك، وكأن الاحتلال يتعامل معه وفق سياسة "فرض الأمر الواقع".

وكانت إسرائيل قد احتلت القدس عام 1967، وأعلنت عام 1980 عن ضمها لأراضيها، وجعلها عاصمة لها، في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي.

ــــــــــــــ

من فاطمة أبو سبيتان

تحرير إيهاب العيسى

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.