نابلس.. "سارية العلم" عنوان مواجهة جديدة مع الاحتلال في "سبسطية"

"سبسطية" الواقعة على بعد 12 - 15 كيلومترا شمال غرب مدينة نابلس، هي واحدة من عشرات البلدات الأثرية الفلسطينية التي تتعرض لاعتداءات إسرائيلية مستمرة تستهدف ذاكرة المكان وأسراره التاريخية.

يعود تاريخ البلدة القائمة على جبل يرتفع قرابة 460 متر عن سطح البحر، إلى آلاف السنين، ما يجعل منها أحد أهم المواقع الأثرية والتاريخية في الأراضي الفلسطينية، عدا عن كونها أكبر هذه المواقع.

وعلى الرغم من ادعاءات الاحتلال احتواء البلدة على جذور تاريخ يهودي يدّعي وجوده فيها، إلا أن مختصّون بعلم الآثار أكّدوا زيف هذه الادعاءات وتعاقب الحضارات المختلفة على "سبسطية" على مدار أربعة آلاف عام، ابتداء بالكنعانيين ومرورا بالرومان والعثمانيين الذين لا زالت آثارهم في البلدة شاهدة على هذا التاريخ حتى اليوم.

وتأخذ الاعتداءات والممارسات الإسرائيلية بحق بلدة "سبسطية" أشكالا عدّة؛ من بينها الاقتحامات المتكررة وإقامة الطقوس التلمودية فيها وإقامة الحفلات الصاخبة بين شواهدها الأثرية.

ومع تكرار المواجهات التي تشهدها البلدة الفلسطينية بشكل دوري، على خلفية هذه الاعتداءات، أصبحت سارية العلم الفلسطيني المنصوبة فوق أعلى قمة في البلدة رمزا وعنوانا لمقارعة الاحتلال الذي دأبت قواته منذ شهرين على اقتحامها بشكل شبه يومي، لإنزال العلم من على السارية.

يقول رئيس بلدية "سبسيطة"، نائل الشاعر، إن الاحتلال أقدم وضمن العقوبات الجامعية التي ينفذها، على هدم محلات ومنشآت فلسطينية في المنطقة، بهدف تفريغها وجعلها هدفًا سهلًا للسيطرة عليها، عدا عن مخطط تهويدي يتضمن عزل المنطقة الأثرية، ومساحتها أكثر من نصف مساحة البلدة، وفرض رسوم دخول من قبل سلطة الطبيعة والحدائق العامة الإسرائيلية.

ويضيف الشاعر في حديثه لـ "قدس برس"، "رفع العلم الفلسطيني أصبح مبررا لاقتحام الاحتلال للبلدة وترويع أهاليها في أي وقت، وسط إطلاق للرصاص وقنابل الغاز والصوت تجاه منازلها".

وأشار إلى أن الاقتحام المتكرر للبلدة أثّر على حياة سكانها، الذي أصبحوا في حالة ترقب مستمر، خاصة أن عملية الاقتحام يتخللها غالبا مواجهات مع الشبان والفتية، ناهيك عن احتجاز المواطنين والتحقيق معهم في محيط المنطقة الأثرية للبلدة حيث توجد السارية التي يرفع عليها العلم الفلسطيني، بحسب الشاعر.

وبيّن رئيس البلدية، أن ذريعة الاحتلال باستهداف السارية ومنع رفع العلم عليها، هو أن تلك المنطقة تخضع لسيطرة الإسرائيلية الكاملة، ويُمنع وجود أي رمز للسلطة الفلسطينية فيها.

ولفت إلى أن إجراءات الاحتلال تتضمن كذلك منع البلدة والجهات المختصة القيام بأعمال ترميم أو حتى تنظيف للمناطق الأثرية فيها، باعتبارها منطقة إسرائيلية تخضع لسيطرة الوزارات الاحتلال المعنية بشؤون الآثار والسياحة.

كما ذكر أن البلدة التي يبلغ تعداد سكانها نحو 3500 نسمة، تتعرض لهجمة استيطانية مثل المناطق المحيطة فيها، حيث تٌقام مستوطنة "شافي شمرون" على مئات الدونمات من أراضي المواطنين الزراعية.

بدوره، قال ناشط فلسطيني - فضّل عدم ذكر اسمه خشية الملاحقة الإسرائيلية - إن "رفع العلم على السارية في البلدة، أصبح عملا شبه يومي لنا، في محاولة للتأكيد على فلسطينية المنطقة ورفض السيطرة الإسرائيلية عليها".

وتابع الناشط خلال حديث مع "قدس برس"، "نعتبر رفع العلم بمثابة خطوة تُغيظ الاحتلال، وتتحدى ممارساته بحق البلدة، لذلك نحرص دائما على رفعه كلما أقدم جيش الاحتلال على إنزاله".

وأضاف "ربما يرى كثيرون أن هذا العمل بسيطا، وأنه لا يُقدم أو يؤخر، إلا أن من يرى ردة فعل جنود الاحتلال كلما شاهدوا العلم الفلسطيني مرفوعا، يعلم مدى تأثير ذلك على الاحتلال".

أما الناشط مؤمن عازم؛ فقد رأى أن استهداف بلدته يأتي من دافع رغبة الاحتلال بتفريغها من أهلها، وذلك كونها منطقة تاريخية أثرية، وبالتالي تنفذي المخططات التي تسعى لتهويدها والسيطرة عليها بشكل دائم.

وقال عازم خلال حديث مع "قدس برس"، "الاحتلال وفي إطار استهدافه لنشطاء البلدة وخشيته من أي أنشطة تواجه ممارساته بحقها، يعمل بشكل مستمر على استدعاء الشبان والتحقي قمعهم، وتحذيرهم من المشاركة في هذه الأنشطة، لا سيّما رفع العلم الفلسطيني".

وأشار إلى أن الاحتلال لم يُقدم على إنزال العلم الفلسطينية عن السارية فقط، بل قام مؤخرا بتفجيرها كاملة، كما قام بوضع قنابل الغاز السام داخلها لمنع الاقتراب منها، مضيفا "بعد كل خطوة مثل هذه يقوم نشطاء البلدة بنصب سارية جديدة ورفع العلم عليها".

وفي موازاة المواجهة الميدانية، دشّن نشطاء فلسطينيون صفحة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، تحت عنوان "الصفحة الرسمية لبلدة سبسطية الأثرية"، في محاولة منهم لتسليط الضوء على موجة التهويد التي تتعرض لها بلدتهم، ونقل معاناة الأهالي في ظل الاستهداف الإسرائيلي المستمر والممنهج بحقهم وبحق المواقع الأثرية الموجودة فيها.

وتؤكد مؤسسات فلسطينية معنية بمناهضة الاستيطان، على أن مسلسل التهويد الإسرائيلي يطال بلدة "سبسطية" بعد مدينتي القدس والخليل، "ما يدعو إلى دق ناقوس الخطر كي لا يتم تشويه تاريخ المكان وحجارته".

تجدر الإشارة إلى أن بلدة "سبسطية"، تعتبر أكبر موقع أثري في فلسطين، وإحدى محطات السيد المسيح عليه السلام، وفيها مرقد النبي يحيى عليه السلام.

كما تتضمن معالم البلدة عددًا من المواقع الأثرية؛ منها "ساحة البيادر" أو"البازليكا الرومانية"، بالإضافة إلى "معبد أغسطس" و"كنيسة الراس" والذي يعود بناؤها للفترة البيزنطية، فضلا عن جامع النبي يحيى عليه السلام.

ويسعى سكان بلدة سبسطية إلى وضعها على خريطة السياحة العالمية، باعتبارها واحدة من المواقع الأثرية المهمة، لضمان حمايتها من المحاولات الإسرائيلية للسيطرة عليها.

يشار إلى أنه وبحسب اتفاق أوسلو، فقد تم تقسيم البلدة إلى؛ منطقة "ب" (خاضعة إداريا للسلطة الفلسطينية وأمنيا للجيش الإسرائيلي) ومنطقة "ج" (خاضعة إداريا وأمنيا للسيطرة الإسرائيلية)، الأمر الذي يشكل عقبة هامة في تطوير مواقع البلدة الأثرية؛ كون أن جميعها تقع داخل حدود المنطقة "ج"، فيما تقتصر أعمال الترميمات على مساكن قديمة تقع داخل البلدة ضمن المنطقة "ب".


ــــــــــــــــ

من محمد منى
تحرير زينة الأخرس

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.