ما هي سيناريوهات عملية اغتيال المحرر مازن فقهاء ؟

لم تكن عملية اغتيال الأسير المحرر مازن فقهاء الأسير، القيادي في "كتائب القسام" الذراع العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" مساء الجمعة الماضية، المرة الأولى التي يُستخدم فيها سلاح كاتم في الاغتيالات داخل غزة، بل شهد القطاع عملية اغنيال مشابهة قبل أكثر من عقدين.

ففي الثاني والعشرين من حزيران/ يونيو من العام 1995م، تمكنت قوة إسرائيلية خاصة من التسلل إلى قطاع غزة بعد عام واحد فقط على دخول السلطة الفلسطينية للقطاع وفرض السيطرة الأمنية عليه، ونفذت عملية اغتيال بحق محمود الخواجة، قائد الذراع العسكري في حركة الجهاد الإسلامي، وذلك بإطلاق النار عليه من سلاح مزود بـ "كاتم للصوت" بالقرب من منزله في مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين غرب مدينة غزة، قبل أن تلوذ بالفرار.

واليوم وبعد مضيّ 22 سنة، تكرر المشهد في عملية اغتيال الشهيد فقهاء، حيث استخدم المسلحون المجهولون حتى اللحظة، سلاح مود بـ "كاتم الصوت".

وقال الكاتب والمحلل السياسي حسام الدجني لـ "قدس برس": "سلاح كاتم الصوت يستخدم للعمليات الدقيقة والخاصة والعمليات التي تكون نسبة نجاحها ضئيلة، بمعنى أنهم يخشون كشف من نفذ هذه العملية من خلال صوت إطلاق الرصاص، لأننا نتحدث عن منطقة مكتظة بالسكان وهذا ما قد يفشل العملية أو يوقع المنفذين في الأسر".

3 سيناريوهات للتنفيذ

ووضع الدجني ثلاثة سيناريوهات لمنفذي عملية اغتيال فقهاء، أولها هو أن يكون المنفذون قد دخلوا غزة من خلال فرقة كوماندوز خاصة في عملية إنزال بحري على الشواطئ، وثانيها هو أن يكونوا قد دخلوا القطاع عن طريق المعابر الرسمية بجوازات سفر أجنية، أو منتحلين شخصيات دولية أو التهريب عبر المعابر التجارية، أما السيناريو الثالث فهو تنفيذ العملية من خلال عملاء محترفين تدربوا لدى الاحتلال.

واعتبر أن فرضية أن يكون المنفذون هم عملاء تدربوا داخل إسرائيل هي الأكثر ترجيحا وواقعية للمخاطر التي قد ترافق الفرضيات الأخرى لدى الاحتلال، لا سيما إن وقعوا في قبضة الأمن بغزة.

وقال: "لو تعرضت المجموعة التي نفذت عملية الاغتيال، للاعتقال وثبت أنهم عناصر في المخابرات الإسرائيلية جراء خطأ ما، فإن هذا يعتبر زلزالاً في إسرائيل".

وأضاف:"هذا الأمر يضعف من فرضية أن يكون وحدة كوماندوز بحري قد نفذت عملية اغتيال فقهاء ولكن أيضا لا ينفيه، نظرا إلى أن إسرائيل من خلال السياق التاريخي لسلسة عمليات الاغتيال، مارست هكذا عمليات في الخارج، وعملية لم يكتب لها النجاح في قطاع غزة".

رسالة قوة

واعتبر الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، أن عملية اغتيال فقهاء رسالة قوة لإسرائيل لتقول إن مخابراتها يمكنها أن تدخل إلى غزة وتضرب، أياً كان المنفذ، وذلك على الرغم من صراع الأدمغة الذي يدور بين المخابرات الإسرائيلية والأمن الداخلي الفلسطيني وظاهرة اعتقال العملاء، وبذلك "الاحتلال يريد أن يرسل رسالة مفادها أن لديه خلايا نائمة في غزة رغم الضربات الموجعة التي تلقاها على مدار السنوات الماضية".

واستطرد قائلاً: "إذا كان من نفذ عملية الاغتيال هو عنصر إسرائيلي فان هذا عنصر قوة للاحتلال، بأنه يستطيع أن يدخل غزة متى شاء وكيفما شاء وأن كل الإجراءات الأمنية على الحدود والرباط لرجال المقاومة ممكن أن يتم تجاوزها".

ورأى أن إغلاق وزارة الداخلية لمعابر غزة يدلل على احتمال أن تكون فرضية الدخول من خلال المعابر والمنافذ البرية مع غزة واردة، مستدركا بالقول: "ولكن كل هذا يصبّ في خانة أن الاحتلال الإسرائيلي يقف خلف هذه العملية".

ودعا حركة "حماس" إلى استخلاص الدروس والعبر من عملية اغتيال فقهاء، مشيرا إلى أن ذلك ربما يكون أهم من الرد على عملية الاغتيال.

وتساءل الدجني: "كيف لشخص بوزن مازن فقهاء، أن تنشر صورته إسرائيل على أنه على قائمة الاغتيال ولم يتم تخصيص الحماية الشخصية له؟."

لا تبني إسرائيلي

وأكد "أن إسرائيل لا تفصح عن نفسها في تنفيذ هكذا عمليات، وحتى الآن لا يوجد إعلان رسمي إسرائيلي بوقوفها وراء عملية الاغتيال، لأنها لا تريد حرق الفكرة، بمعنى أنها قد تستخدم الطريقة ذاتها بالاغتيال مرة أخرى إذا ما تم كشفها".

وقال: "اعتراف إسرائيل بالوقوف وراء العملية لأي سبب ما يخفف على المقاومة ويسهل عليها في التحقيق، ولم يحصل أن إسرائيل قبل ذلك اعترفت بهكذا عمليات إلا بعد مرور 20 أو 30 عاما".

من جهته، استبعد هشام المغاري الخبير الأمني والاستراتيجي وعميد كلية العودة في غزة، أن تكون قوة إسرائيلية خاصة قد تسللت إلى القطاع، ونفذت عملية اغتيال فقهاء، وذلك خشية الاحتلال من تعرّض هذه القوة للاعتقال، مرجحًا أن يكون عملاء محترفين هم من قاموا بهذه العملية.

وقال المغاري لـ "قدس برس": "الاحتلال بتقديري أخذ هذا الأمر (فشل عملية الاغتيال أو القبض على المنفذين) بعين الاعتبار في قراره بالنسبة لاغتيال فقهاء وبناءً عليه، اختار مجموعة من العملاء المحترفين في غزة بحيث لو فشلت فلن يدفع ثمن باهظا ولن يخسر، ومن الممكن أن يفرّط بهم بسهولة، كما فرّط بغيرهم من قبل أي كانت خطورتهم".

عواقب فشل العملية

وأشار المغاري إلى "أن احتمال فشل هكذا عمليات مهما كان المشاركون فيها محترفون واردة، أو إلقاء القبض عليهم بعد تنفيذ العملية، وبذلك سيدفع الاحتلال ثمنا باهظاً جدا،  فضلا عن أن المقاومة لديها ما تطلبه بعد ذلك وهو تحرير الأسرى".

ونوّه إلى أن الاحتلال في مثل هكذا إخفاقات غالباً ما يستجيب بشكل سريع للمطالب كما حدث في المحاولة الفاشلة لاغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل عام 1997 في العاصمة الأردنية عمّان، التي كانت نتيجتها الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة "حماس"، وإنقاذ مشعل مقابل الإفراج عن جاسوسي الموساد الذين وقعوا في قبضة الأمن الأردني بعد مطاردتهما من قبل مرافق مشعل.

واعتبر أن هذا الشكل من الاغتيال من خلال وحدات خاصة وإطلاق النار يعطي الاحتلال فرصة للهروب من المسؤولية ويجعل الجهة المستهدفة تأخذ وقتا طويلا في التحليل لمعرفة الفاعل الحقيقي.

وأشار إلى أن الاحتلال لجأ لهذا الأسلوب في اغتيال فقهاء ربما سعياً منه لعدم حدوث رد فعل من قبل حركة "حماس" أو أن تؤدي هذه العملية إلى تصعيد الأجواء.

 وقال:" سلاح الاغتيال بالرصاص أيسر للاحتلال، وبسهولة يمكن أن يعلن عدم مسؤوليته عن هذا الأمر، فيوقع المقاومة في حرج، ما لم تحصل على دليل قطعي وليس تحليلي".

ضرب المعادلة

وأضاف: "المقاومة يجب أن تضرب هذه المعادلة من خلال استحداث أساليب مشابهة في الرد على مثل هذه العمليات".

وتابع: "الاحتلال يلتزم الصمت في مثل هذه العمليات في حال كان هو المنفذ لها أو يعترف بها في حال ثبوته بالدليل القاطع، أما إذا لم يكن له دور يعلن عن ذلك صراحة بالنفي، ولكن غموضه في هذا الأمر وعدم حديثه الصريح بالمسؤولية عنها مؤشر كبير على أنه هو من نفذ هذه العملية".

وحول سهولة الوصول إلى شخص بحجم فقهاء، حذر المغاري من وجود خلل لدى رجال المقاومة في المفهم الأمني للحماية، معربا عن أمله أن يتم الاستفادة مما حصل وإعطاء موضوع الحماية الشخصية للمقاوم قدراً عالياً من الاهتمام.

واعتبر الاسترخاء "كارثة"، وقال: "لأن هذه الشخصيات باتت لا تملك نفسها، لأن اغتيالها يؤثر على الوضع العام بشكل كبير كما حصل في اغتيال فقهاء".

بدوره، قال "روني بن يشاي"، الكاتب الإسرائيلي في مقال تحليلي له في صحيفة "يديعوت احرونوت" الصادرة اليوم الأحد: "في إسرائيل لم يؤكدوا ولم ينفوا أي علاقة لهم باغتيال القيادي العسكري في حماس فقهاء، وهذا لم يعد مهما في ظل اتهام حماس لإسرائيل".

العملية ايجابية

وتساءل: "إن كانت إسرائيل هي من اغتالت مازن فقهاء، فهل كانت عملية الاغتيال خطوة صحيحة ومقبولة؟، إن كانت الإجابة نعم، هذا يعني أن العملية كانت إيجابية".

وقال بن يشاي: "إن صحّت رواية والد فقهاء حول تهديد المخابرات الإسرائيلية له، فإن هذه التحذيرات كانت بمثابة الكرت الأصفر لمازن، وعملية الاغتيال كانت الكرت الأحمر لقيادة حماس في قطاع غزة، ويمكن التقدير أن إسرائيل لم تكن معنية باغتيال فقهاء لولا دوره في العمل على تأسيس خلايا عسكرية في الضفة".

واعتبر أن عملية الاغتيال، "حتى لو لم تنفذ على يد إسرائيل أو على يد أشخاص جنّدتهم"، فهي تعتبر رسالة لكافة محرري "صفقة شاليط" إن عادوا لأساليبهم القديمة، وفق قوله.

وتعرّض فقهاء، مساء الجمعة الماضية، لعملية اغتيال بإطلاق الرصاص عليه من قبل مجهولين، أمام منزله الكائن في منطقة تل الهوى جنوب مدينة غزة، مستخدمين أسلحة "كاتم صوت"، وفق الداخلية الفلسطينية التي فتحت تحقيقا في عملية الاغنيال.

وأفرجت سلطات الاحتلال عن فقها في إطار صفقة التبادل الأخيرة بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال؛ 18 تشرين أول/ أكتوبر عام 2011، والتي أطلق الاحتلال بموجبها سراح أكثر من ألف أسير أمضوا سنوات طويلة في الأسر، مقابل إطلاق سراح الجندي جلعاد شاليط بعد أسره لخمس سنوات لدى المقاومة الفلسطينية في غزة.

وأمضى فقهاء تسع سنوات في سجون الاحتلال، لوقوفه خلف عملية "صفد الفدائية" التي قتل فيها 11 إسرائيليًا، عام 2002.

وتتهم سلطات الاحتلال فقهاء (38 عامًا)، وهو من مدينة طوباس شمال الضفة الغربية المحتلة، بقيادة "كتائب القسام" الذراع العسكري لحركة "حماس" في الضفة الغربية، وإعطاء عناصرها الأوامر لاختطاف ثلاثة جنود إسرائيليين في حزيران/ يونيو 2014 في الخليل جنوب الضفة الغربية، وقتلهم.

-----

من عبد الغني الشامي

تحرير ولاء عيد

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.