المصالحة الفلسطينية .. تاريخ من الاتفاقيات الفاشلة

لاقى قرار حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، حل اللجنة الإدارية في قطاع غزة، تمهيداً لإتمام المصالحة الفلسطينية، ترحيباً محلياً وإقليمياً، في إشارة قوية بُثّتْ من أبراج القاهرة، تُنذر بقرب توصل الطرفين إلى اتفاق جديد ينهي سنوات من القطيعة السياسية بين رام الله وغزة، وفي حال قُدر له أن يرى النور، فلن يكن الأول أو الوحيد من نوعه.

وفي خلفية الأجواء المتفائلة في مصر، يملك الطرفان عدداً لا بأس به من الاتفاقات غير المنفذة، فمنذ بدء الأزمة الداخلية بين حركتي حماس وفتح، غداة فوز الأولى في الانتخابات التشريعية في 2006، وقعت الحركتان على عدد كبير من الأوراق والتفاهمات من أجل إنهاء التوتر الحاصل بينهما، لكن أياً من هذه الاتفاقيات لم تجد طريقها للتنفيذ على أرض الواقع.

أولى محاولات إنهاء التوتر الحاصل بين الحركتين بدأت في منتصف العام 2006، حين أطلقت قيادات فلسطينية معتقلة في السجون الإسرائيلية مبادرة للمصالحة، سميت لاحقاً بـ"وثيقة الأسرى" والتي لاقت ترحيباً من جميع الأطراف، وتم على إثرها عقد مؤتمر الحوار الوطني يوم 25 أيار/ مايو 2006، إلا أن التوتر ظل قائماً بين الطرفين، وقد فشلت بعدها وساطات إقليمية عديدة في تهدئة الأوضاع.

وقد دعا التوتر المستمر بين القطبين الفلسطينيين إلى تدخل السعودية، التي بادرت في عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى دعوة حركتي فتح وحماس إلى التحاور في رحاب الأراضي المقدسة، ووقعت الحركتان في شباط/ فبراير2007 على ما بات يعرف بـ"اتفاق مكة".

لكن هذا الاتفاق لم يصمد سوى أسابيع قليلة، إذ تجددت الاشتباكات المسلحة وتوسعت بين فتح وحماس، وانتهت في 14 حزيران/ يونيو2007، بسيطرة حماس على قطاع غزة، ليتحول التوتر بين الطرفين إلى انقسام سياسي وجغرافي، كان أحد مظاهره  نشوء كيانين سياسيين وسلطتين قائمتين، واحدة في الضفة الغربية تسيطر عليها حركة فتح وأخرى في قطاع غزة تديرها حركة حماس.

وبعد شهور من القطيعة الرسمية بين الجانبين، اجتمعت الحركتان بمبادرة من الرئيس اليمني السابق علي عبد صالح في آذار/ مارس 2008 في اليمن، وقد أسفرت المحادثات بينهما على توقيع اتفاق باستئناف الحوار في إطار المبادرة اليمنية التي دعت إلى إجراء انتخابات فلسطينية وتشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة، وإصلاح قوات الأمن الفلسطينية على أساس وطني لا فصائلي.

غير أن "إعلان صنعاء" كما بات يعرف سرعان ما فشل هو الآخر، حين أعلن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس تراجعه عن هذا الاتفاق  بحجة أن رئيس وفد فتح عزام الأحمد لم يستشره قبل التوقيع عليه.

وفي شهر يونيو/ حزيران أجرى الجانبان محادثات استمرت ثلاثة أيام، في العاصمة السنغالية داكار، برعاية الرئيس السنغالي عبد الله واد، غير أن هذه المداولات لم تسفر عن أي اختراق حقيقي، واكتفى الطرفان بالتوقيع على بيان مشترك أشاد بجهود السنغال على إعادة أجواء الثقة والاحترام المتبادل بين طرفي الصراع.

وعقب ذلك توقف الحديث عن المصالحة بين الحركتين لحين أحيته مصر في أيلول/ سبتمبر2009 عبر طرح ما يعرف بـ"الورقة المصرية"، وهي الورقة التي سارعت فتح للتوقيع عليها، فيما طالبت حماس بإدخال تعديلات عليها، وهو الأمر الذي رفضته القاهرة، مطالبة حماس بالتوقيع عليها دون أي تعديل أو إضافة.

وبعدها تجمد الحديث عن المصالحة شهوراً طويلة، ليتجدد مرة أخرى، عقب لقاء جمع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل ورئيس المخابرات المصرية الأسبق عمر سليمان منتصف 2010 .

وقد أسفر لقاء مشعل وسليمان عن ترتيب لقاء آخر بين فتح وحماس في تشرين الثاني/ نوفمبر من ذات العام بالعاصمة السورية دمشق، واتفق الطرفان على عقد لقاء جديد في الشهر الذي يليه، بيد أن هذا اللقاء لم يتم، ليعود مسلسل الاتهامات المتبادلة.

ومع اندلاع الثورات العربية مطلع عام 2011، وسقوط نظام الرئيس المصري حسني مبارك، اجتمع الجانبان بالقاهرة في شهر مايو/ أيار، ليوقعا اتفاقاً على إنهاء الانقسام الفلسطيني، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تقوم بإجراء انتخابات خلال عام من تشكيلها.

غير أن اتفاق القاهرة لم يكن له أي ترجمة حقيقية على أرض الواقع، وهو ما دعا رئيس حركة فتح محمود عباس ورئيس المكتب السياسي السابق لحماس خالد مشعل، للاجتماع مجدداً في شباط/ فبراير2012، ولكن هذه المرة في الدوحة، وقد أنجز الرئيسان اتفاقاً ينص على تسريع وتيرة المصالحة في ضوء اتفاق القاهرة.

ورغم ذلك، فإن الأمور بقيت تراوح مكانها دون أي تغير يذكر، وسط لقاءات على فترات متباعدة بين الطرفين هنا وهناك، حتى اجتمعا في غزة في نيسان/ أبريل 2014، لتعلن الحركتان عن التوصل لاتفاق جديد للمصالحة عرف بـ"اتفاق الشاطئ".

وقد أسفر هذا الاتفاق عن تشكيل حكومة الوفاق الوطني برئاسة رامي الحمد لله، لكن الملفات الرئيسية لم تحل واستمر الطرفان بتبادل الاتهامات وإجراءات إدارية على الأرض، وظهور مشاكل جديدة.

وقد حاولت الدوحة خلال العامين الماضيين، جمع قطبي النزاع الفلسطيني، من خلال عقد لقاءات متعددة بينهما، وقد أسفرت هذه اللقاءات عن توصل فتح وحماس في شباط/ فبراير 2016 إلى ما سمي بـ"التصور العملي لتحقيق المصالحة الفلسطينية".

غير أن هذا الاتفاق "الخجول" لم يضف أي جديد، وتعرض بعدها ملف التوافق لانتكاسات متتالية وزادت خيطان المصالحة تعقيداً، فحماس من جانبها أعلنت عن تشكيل "لجنة إدارية" لمتابعة شؤون القطاع، رداً على عدم اهتمام حكومة الحمد لله باحتياجات غزة، في حين ردت السلطة بعدة إجراءات وصفتها بالعقابية، تمثلت بالتوقف عن دفع فواتير الكهرباء الخاصة بغزة، وإحالة عدد كبير من الموظفين إلى التقاعد وحرمان مرضى غزة من التحويلات الطبية.

واليوم وبعد هذه السلسة الطويلة من اللقاءات الماراثونية الممتدة طوال العقد الماضي، تتجه أنظار الفلسطينيين والمراقبين إلى القاهرة في آخر محطة من المباحثات الثنائية بين حماس وفتح، وسط تفاؤل حذر وسقف توقعات منخفظ بسبب الكم الكبير من التجارب السابقة المتعثرة، فهل يكون هذا الاتفاق مختلفاً هذه المرة، وتكسر الضفة وغزة جرة الانقسام؟  

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.