مصر.. لماذا عزل السيسي رئيس الأركان المصري؟

رئيس الاركان الجديد محمد فريد حجازي

جاءت القرارات التي اتخذها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشكل مفاجئ أمس، بالإطاحة بالفريق محمود حجازي رئيس أركان الجيش، لتطرح أسئلة كثيرة حول السبب وراء ذلك، لا سيما وأن حجازي كان أحد أكثر المقربين من السيسي لأنه صهره من ناحية، وشاركه في الانقلاب على الرئيس محمد مرسي بصفته مدير المخابرات العامة من ناحية ثانية.

فهل تصب هذه التغييرات في مصلحة ترسيخ حكم السيسي أم في إضعافه؟ وهل الهدف منها هو تقوية حكم الرئيس المصري استعدادا لتوليه فترة رئاسية ثانية في انتخابات 2018 وإبعاد منافسين أقوياء أم تحسين الأداء الأمني لنظامه وتحجيم مخاطر الإرهاب الذي يشكل التحدي الأبرز لحكمه؟

ما زاد الغموض أن قرار إقالة رئيس الأركان، جاء بعد عودته بـ 48 ساعة من الولايات المتحدة الأمريكية (الخميس الماضي) عقب مشاركته في مؤتمر رؤساء أركان الدول المشاركة في الحرب على الإرهاب، بدعوة رسمية من رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، وبحضور إسرائيل لأول مرة اجتماع قادة جيوش التحالف الدولي، منهم السعودية والإمارات.

وإثر اجتماع عقده السيسي مع وزيري الدفاع والداخلية والمخابرات وضم اللواء محمد فريد حجازي أمين عام وزارة الدفاع ومساعد الوزير، أعلن قرار تعيين اللواء أركان حرب محمد فريد حجازي في نفس المنصب مع ترقيته إلى رتبة الفريق، بعد أن كان يشغل منصب مساعد وزير الدفاع.

واعتبر مراقبون بالقاهرة أن سير الأمور يشير إلى أن قرار عزل رئيس الأركان اتخذ قبل هذا الاجتماع، وربما قبل عودة رئيس الأركان السابق من أمريكا.

وأن قرار وزير الداخلية اللاحق بعزل 4 من كبار قيادات الوزارة ضمن حركة تغييرات شملت 11 لواءا ومنصبا، جزء من قرارات السيسي في أعقاب مذبحة الواحات التي قتل فيها 16 شرطيا وفق البيان الرسمي.

من هو رئيس الأركان؟

واللواء أركان حرب محمد فريد حجازي الذي تولى منصب رئاسة الاركان، هو من المحسوبين على المشير محمد حسين طنطاوي وزير الدفاع السابق، الذي عزله الرئيس مرسي وأعاد له السيسي الاعتبار بإشراكه في كافة المناسبات العسكرية والمدنية لاحقا.

ويشير تعيين محمد حجازي لعودة الحرس القديم من المجلس العسكري، حيث كان رئيس الاركان الجديد عضوا بالمجلس العسكري السابق الذي حكم مصر عقب ثورة 24 يناير 2011، مع المشير طنطاوي.

وتأتي عودته ربما بنصيحة من طنطاوي وفق محللين، في وقت تخلص فيه السيسي من غالبية أعضاء المجلس العسكري الذين شاركوه انقلاب 3 من تموز/يوليو 2013، وإبعاده قرابة 20 من قيادات الجيش منذ توليه الرئاسة 2014.

أسباب عزل رئيس الأركان وقيادات الشرطة

ورصدت "قدس برس" 7 أسباب طرحها مراقبون ونشطاء سياسيون وراء العزل المفاجئ لرئيس الأركان في ظل غياب المعلومات الرسمية، أبرزها أسباب داخلية تتعلق بصراعات بين قادة في مؤسستي الجيش والشرطة على خلفية إلقاء المسؤولية في مذبحة الواحات، أو صراعات بين الأجهزة الأمنية وترتيبات ما قبل انتخابات الرئاسة 2018.

سبعة احتمالات لانقلاب السيسي على حجازي

ويمكن رصد الأسباب السبعة التي يجري تداولها في مصر وعواصم عربية وأجنبية لقرار عزل السيسي:

أولا: إقالة رئيس الأركان، لا علاقة لها بأي موقف من السيسي منه، بل على العكس قد تكون مقدمة لتصعيده لمنصب مدني، لتحويله لشخصية مدنية تمهيدا لتولي منصب اخر يرجح أن يكون رئيس الوزراء، أي اعادة تعليب وتغليف واخراج لواجهة مدنية مستقبلا.

ثانيا: قرارات السيسي جاءت في اعقاب أنباء نقلا عن مصادر سياسية مصرية مطلعة تداولتها الصحف عن تصاعد الصراعات بين قيادات في الجيش (رئاسة الأركان) والشرطة بعد مجزرة الواحات التي راح ضحيتها العشرات من قيادات وجنود الشرطة، بعدما اتهم ضباط شرطة، الجيش بالتخلي عن نجدتهم بالطائرات.

وتردد أن الجيش يعاقب الشرطة لأنها تحركت بدون التنسيق معه في منطقة تتبع له، وأنباء عن قيام رئيس جهاز الاستخبارات خالد فوزي، بمحاولات لتلطيف الأجواء والمصالحة بين المؤسستين الأمنية.

ثالثا: إقالة رئيس الأركان ربما تكون قرار إجباري، أُجبر عليه السيسي أو نُصح به، سواء برغبة من المشير طنطاوي في تعيين اللواء محمد حجازي المقرب جدا منه مكان محمود حجازي صهر السيسي، أو أنها بطلب من واشنطن لأسباب مجهولة.

وقد تساءل المحلل السياسي المصري وائل قنديل في تغريده على حسابه على تويتر: "ما الذي سمعه رئيس الأركان الإسرائيلي من حجازي خلال تواجدهما في واشنطن، فلما عاد الأخير وجد قرار الإقالة في انتظاره؟".

رابعا: القرار جزء من تخلص الرئيس المصري ممن شاركوه في انقلاب 3 تموز/يوليو 2013، لضمان عدم انقلاب أحد عليه وضمان ولاء القيادات الجديدة.

ويشار هنا إلى أن السيسي عزل حتى الآن قرابة 20 من القيادات العسكرية منذ 3 يوليه 2013، أبرزهم قادة: الجيش الثاني والثالث، ورئيس المخابرات الحربية وقادة: القوات البحرية والهيئة الهندسية والدفاع الجوي والمنطقة الشمالية والجنوبية والغربية، واخرهم رئيس الأركان.

وإقالة رئيس الأركان تعني التخلص من كل أعضاء المجلس العسكري الحالي حيث لم يبق سوي وزير الدفاع ومعه اللواء عباس كامل مدير مكتب السيسي وكاتم أسراره.

خامسا: هناك احتمال أن يكون السيسي أبعد صهره حجازي في ضوء تقارير صحفية تشير لقبول خليجي وأمريكي بتجهيز بديل للسيسي، وأنه عزل حجازي خوفا من أن يكون هناك توجيه أمريكي قد يكون صدر لحجازي بعزل السيسي، أو بدعم البديل الذي اختارته دول الخليج وأمريكا وهو الفريق أحمد شفيق الذي يجري حاليا التنكيل بكل أنصاره في مصر في أعقاب أنباء استعداده لنزول مصر من الامارات والترشح ضد السيسي.

سادسا: عزل 4 من قيادات الشرطة وتغييرات في 11 منصبا شرطيا جاء بسبب تقصيرهم وفشلهم الأمني في عملية الواحات.

سابعا: أن تكون قرارات العزل، خاصة لقيادات الشرطة في ملفات الأمن الوطني وحقوق الانسان والأمن المركزي وغيرها جزء من محاولات السيسي تجميل صورة حكمه في أعقاب التقارير الحقوقية الدولية التي تدين ملف حقوق الإنسان في مصر، وتبدو قراراته بالتالي محاولة للاستجابة للضغوط الدولية.

وأقال مجدي عبد الغفار وزير الداخلية، بموافقة السيسي 4 من قيادات الشرطة واعتمد حركة تنقلات شملت 11من القيادات الأمنية.

واتخذ الكونجرس الامريكي عدة قرارات ضد مصر تمثلت في حرمان وتجميد الولايات المتحدة مساعدات قيمتها 95.7 مليون دولار وتأجيل صرف 195 مليون دولار أخرى بدعوى "عدم إحرازها تقدما على صعيد احترام حقوق الإنسان والمعايير الديمقراطية".

كما صوّت مجلس الشيوخ الأمريكي لصالح مشروع يقترح خفض المساعدات العسكرية والاقتصادية لمصر، بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، الذي يقضي بتقليص المساعدات العسكرية بمقدار 300 مليون دولار، وخفض المساعدات الاقتصادية من 112 مليونًا إلى 75 مليونًا.

وشنّ مجلس الشيوخ الأمريكي هجوما شديدا على السيسي عقب إقراره قانون الجمعيات الأهلية نهاية أيار/مايو الماضي، واعترضت عليه أيضا جماعات حقوق الإنسان الدولية والنشطاء الحقوقيين واعتبروه قانوناً قمعياً.

وصرّح مسؤولون أمريكيون بأنهم يبحثون قطع جزء من المعونة الأمريكية عن مصر احتجاجا على إقرار قانون الجمعيات الأهلية.

واتهم أحدث تقرير لـ "لجنة مناهضة التعذيب" التابعة للأمم المتحدة لأول مرة مسؤولين من العسكريين في مصر بممارسة التعذيب بجانب ضباط الداخلية.

وأكد التقرير أن التعذيب لأعضاء جماعة الاخوان المسلمين تحديدا تكثف منذ عام 2013 "لمعاقبتهم وانتزاع اعترافات بالإكراه"، وأن هروب مجرمي التعذيب من العقاب "واسع الانتشار".

كما صدر تقرير موثق من هيومن رايتس ووتش حول التعذيب في مصر يستند إلى مقابلات مع 19 معتقلا سابقا وعائلة معتقل تعرضوا للتعذيب بين 2014 و2016 لإجبارهم على الاعتراف أو الكشف عن معلومات أو لمعاقبتهم، ويؤكد أنها جريمة ضد الإنسانية وأنه من الممكن مقاضاة قادة الانقلاب عليها دوليا.

كما وضع مجلس الشيوخ الأمريكي، الكونجرس مسؤولين مصريين بوزارة الداخلية، ضمن قائمة تضم 20 مسؤولا من عدة دول، متورطين في وقائع تعذيب وقضايا فساد، برزت مطالبات حقوقية بتطبيق قانون "ماجنيتسكي" على قادة شرطة ومخابرات في دول عربية.

لماذا لم تتم إقالة وزيري الدفاع والداخلية؟

من جهة ثانية، أثيرت تساؤلات في القاهرة حول أسباب عدم إقالة السيسي لوزيري الدفاع والداخلية، في حال لو كان هدف الإقالات الأخيرة هو عقاب المقصرين من الطرفين والرد على الإرهاب والفشل الأمني في مذبحة الواحات لا هدف سياسي أخر، وعزي قانونيون ذلك لتنظيم الدستور هذه الاقالات الكبرى.

وتنص المادة 146 من الدستور علي أن "لرئيس الجمهورية حق إعفاء الحكومة من أداء عملها بشرط موافقة أغلبية أعضاء مجلس النواب .. ولرئيس الجمهورية إجراء تعديل وزاري بعد التشاور مع رئيس الوزراء وموافقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة للحاضرين وبما لا يقل عن ثلث أعضاء المجلس".

ويفسر فقهاء دستوريين، لـ "قدس برس" المادة بأنه ليس من حق الرئيس عزل وزير الداخلية قبل العرض على البرلمان والحصول على موافقة ثلث أعضاء المجلس، لهذا لم يعزل السيسي وزير الداخلية مجدي عبد الغفار فيما يرى آخرون أنها مادة شكلية، وأن عدم عزل وزير الداخلية يرجع للثقة فيه.

ويقول الدكتور صلاح فوزي الفقيه الدستوري، إن أي قرار بإقالة وزير الداخلية لا ينطبق عليه نص المادة 147 من الدستور، لأن قرار تشكيل الحكومة لاحق لتجديد الثقة وليس سابق لها، بما يعني أن يظل رئيس الجمهورية محتفظا بسلطاته في إجراء تعديل وزاري شامل أو محدود أو إقالة أحد الوزراء دون الرجوع للبرلمان.

فيما يرى الفقيه الدستوري شوقي السيد، أنه طبقا للمادة 146و 147 من الدستور، يحق لرئيس الجمهورية إعفاء الحكومة من مهام عملها بموافقة أغلبية أعضاء مجلس النواب، بينما يحق له إجراء تعديل وزاري عندما يوافق المجلس بما لا يقل عن الثلث.

كما هناك مادة في الدستور 2014 تحمي وزير الدفاع المصري من الإقالة بحيث يبقى وزيرا للدفاع مدة فترتين رئاسيتين، وكانت المادة موضوعة خصيصا للرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي حين كان وزيرا للدفاع، وهي تنطبق علي وزير الدفاع الحالي صدقي صبحي، لهذا يقال إن السيسي لا يمكنه عزله.

ويقول الدكتور محمد حسنين عبد العال أستاذ القانون الدستوري بأنه لا يجوز لرئيس الجمهورية تعيين وزير دفاع جديد إلا بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة طبقا للمادة 234 من الدستور المصري، ما لم يتقدم وزير الدفاع من تلقاء نفسه باستقالة مبدياً عدم رغبته في الاستمرار كوزير للدفاع، فيكون للمجلس العسكري الحق في ترشيح وزير جديد للدفاع وموافقة السيسي عليه.

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.