خبراء يحذرون: اللغة العربية تنزف على منصات التواصل الاجتماعي

برزت منصات التواصل الاجتماعي، في وقت كانت اللغة العربية تواجه فيه تحديات غير مسبوقة، لتصبح تلك المنصات هي التحدي الأكبر، بعدما كانت منحصرة في تراجع اعتماد العرب على لغتهم في العلوم والاقتصاد والسياسة.
وبسرعة منقطعة النظير، برزت على منصات التواصل الاجتماعي اللغة العربية مكتوبة باللهجات المحكية تارة، وبطريقة هجينة تارة أخرى، أما صحة اللغة إملائيا ونحويا فهي آخر ما يهتم به نشطاء تلك المنصات، وأمسى زيادة حرف أو نقصانه في الكلمات أمرا هامشيا. 
يقول مرشد اللغة العربية في مدينة القدس، الأستاذ راتب حمد، إنّه "يُفترض أن نفتخر بأننا نمتلك أجمل لغة، فهي من أكثر اللغات التي تدل على المفاهيم بكلمات رائعة، لكن رواد مواقع التواصل الاجتماعي بدأوا يبتعدون عنها وينشؤون لغة جديدة".
وأضاف حمد لـ "قدس برس"، "شعبنا بات يفتخر بأنه يتحدّث لغة ثانية كالإنجليزية، وهو بالأصل لا يعرف كتابة اللغة العربية بشكلها السليم، فنحن لدينا ازدواجية في اللغة وباتت منتشرة بشكل واسع".
ووفقاً لتجربته، كان حمد لا يقبل أن يتحدّث طلابه في جامعة "سخنين" لغة أخرى سوى العربية الفصحى بعيدًا عن اللهجات، وذلك في المحاضرات أو حرم الجامعة، ذلك من شأنه تعزيز اللغة لديه، وتقويتها، وتعلّقه بها، بحسب ما يرى.
ويؤكّد أن العبء الأكبر يقع على المعلمين الذين يُدرّسون مادة اللغة العربية، وكذلك الأهل، "فالوالدان يقومان بمهمة التعليم في المراحل الأولى من حياة الطفل وعليهم أن يقوّموا أخطاءَه، وعندما يدخل الطفل المرحلة الابتدائية فتكون هذه المرحلة بمثابة التأسيس، وتصويب الخطأ الإملائي، حتى وصوله إلى المرحلة الإعدادية التي يجب أن يكون قد تجاوز كافة مشاكله في التعامل مع اللغة؛ إملائيًا ونحويًا".
ويُشير إلى أن معلم اللغة العربية، يجب أن يكون متخصّصًا باللغة، لا أن يكون متخصّصًا في العلوم أو الاجتماعيات وغيرها من المواد، ويدرّس اللغة العربية أيضًا.
وشدد على أن عدم وجود معلمي لغة عربية متخصصين في المدارس الخاصة؛ أحد أسباب انتشار تلك الظاهرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
ورأى أن العلاقة المبنية بين المعلّم والطالب هي من تجعل الطرف الأخير يحبّ المادة العلمية أم لا، متابعًا: "أول ما أقوم بعمله في بداية العام الدراسي، هو توطيد العلاقة بيني وبين طلابي كي يحبّوا مادة اللغة العربية، ثم أجعلهم يضعون كلمة (أنا أستطيع) نصْبَ أعينهم، وبالتالي أكون قد حقّقت جزءًا من هدفي الرئيس؛ حب اللغة العربية ودراستها".
ويُضيف أن تدارك تلك المشاكل الإملائية والنحوية في اللغة العربية يحتاج إلى الإرادة من قبل الطالب، والصبر من قبل المعلم والأهل.
ودعا الأستاذ حمد، إلى الإكثار من القراءة، سواء الروايات أو القصص القصيرة والكتب العلمية، والتحدث عبر مواقع التواصل الاجتماعي بلغة عربية فصيحة سليمة، خالية من الأخطاء.
أمّا الكاتب والأديب المقدسي إبراهيم جوهر فيقول لـ"قدس برس" إن "هذه الظاهرة منتشرة بشكل كبير عند صغار السن والطلاب، حيث يقومون بزيادة حرف الياء على سبيل المثال، حينما يتعاملون مع المؤنث (إليكي، فيكي)، أو التعامل مع اللام الشمسية، وهذه الظاهرة أجدها كبيرة عند طلاب الجامعات ممن يدرسون الصحافة والإعلام فيكتبون مثلاً بالضبط بهذا الشكل (بضبط)".
ويوضّح جوهر أن "هذه الأخطاء لا تُغتفر أبداً، وهي تشير إلى عيوب واضحة في المنهاج التعليمي وفي أسلوب التدريس (الإملاء أو النسخ)، لافتاً إلى أن المعلمين اليوم أهملوا أسلوب النسخ والإملاء التي اعتدنا عليها نحن، حيث كنا  ننسخ الدرس أكثر من مرة في المرحلة الابتدائية لتحسين خطوطنا، واليوم نرى الخطوط العجيبة في المراحل الثانوية والجامعية".
ويُشير إلى أن اللوم لا يقع على طرف دون الآخر، فالعملية التعليمية  لها أطراف متكاملة (البيت والمدرسة)، فالأهل يلجأون للمدرسة، ويُلقون الكرة في ملعبها، وبعض المدارس التي تتقاضى أجوراً أعلى من الجامعات لا تقوم بدورها اللازم، فتخدع الأهل والطلاب، وتقوم بوضع علامات كاذبة لا يستحقونها ولا يحصّلونها ، ويتخرّج الطالب بستوى متدنٍ جداً.
وحول من يفتخر بإتقان لغة أخرى، وهو لا يكتب اللغة العربية ولا يتحدّثها بالشكل السليم، يقول جوهر: "هذا شيء مُعيب وهو احتلال آخر(..) نوع من تشويه الهوية التي نجح الآخرون -بغض النظر من هم- في تشويهها، فالوعي لدينا بات منقوصاً".
واستطرد: "اللغة هوية، من هانت عليه لغته، هانت هويته، وهذا ما يحصل في بلادنا خاصة وفي العالم العربي عامة".
ولكي نتجاوز تلك الظاهرة، يقول الكاتب المقدسي إن على مدارسنا العودة إلى التركيز على الإملاء، من خلال وضع حصة كاملة ضمن البرنامج المدرسي، إضافة لرصد علامات خاصة بها على الشهادة.
والمُقترح الثاني، هو عدم سماح إدارات الجامعات وأقسام اللغة العربية وكلية الآداب، بتخرج أي طالب ما لم يتقن إتقاناً تاماً اللغة العربية، والتعبير ولو عن نفسه بأسطر محدودة وبلغة سليمة.
ويوضح أن "جامعاتنا للأسف باتت مدارس كبيرة فاشلة، تُخرّج طلاباً من كلية الآداب ضعاف جداً".

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.