رسيلة شماسنة.. عنوانٌ لصبرِ وثباتِ الأم الفلسطينية

أمٌ لا تعرف الخوف، كما لا تعرف للجُبن طريقاً، كانت وما زالت تقف أمام المحتلّ بكل عزم وقوّة غير آبهة بكل تلك الأسلحة التي تلتفّ حول أجسادهم، إنّها المرأة الفلسطينية، أم الشهيد والأسير والجريح؛ رسيلة شماسنة "أم معتصم".

في كل وقفة تضامنية مع أسرى فلسطينيين، كانت هي المبادرة والمشارِكة، تحمل صورهم وكأنّهم أبناؤها، كما تُخفّف وجع والد ووالدة شهيد تحتجز سلطات الاحتلال جثمانه في الثلاجات الباردة، فقد خاضت تلك التجربة (ابنها الشهيد محمد شماسنة)، وعلِمتْ مدى الألم الذي يشعر به ذوو الشهداء.

الأسيرة المحررة رسيلة شماسنة هي أم لستة أبناء، أحدهم الشهيد محمد وابنتها لينا (المتوفية)، ومعتصم (27 عامًا)، وفاطمة (19 عامًا)، ويوسف (16 عامًا)، وسارة (14 عامًا)، جميعهم خاضوا تجربة الاعتقال ما عدا فاطمة، والتي تعرّضت لاعتداءات الجنود الإسرائيليين خلال اقتحام منزل عائلتها الأخير في قرية قطنة (شمالي غرب القدس) واعتقال والدتها وشقيقتها سارة.

 

يوم الاعتقال

كان الجنود يبحثون عن بيت "سارة شماسنة" عند الساعة الـ 12 منتصف ليل 31 كانون ثاني/ يناير الماضي، ويُحيط العشرات منهم القرية بغية اعتقالها، حيث لم تخلد فاطمة للنوم حينها وكأنها كانت تشعر بأن شيئًا ما سيحدث.

عند الساعة الثانية والنصف، وبعد أن أيقظت فاطمة أمها وشقيقتها، بدأن يسمعن حركات على الباب وكأنهم يضعون شيئًا لتفجيره، لكن سرعان ما قامت "أم معتصم" بالسؤال "من عند الباب؟"، ليُجيبها أحد الجنود "افتحي الباب".

تقول فاطمة: "ما إن تم فتح باب المنزل حتى رأى الجنود سارة وانقضّوا عليها، وعلمنا أن الاعتقال لها، حينها طلبت والدتي ورقة تُثبت ما أتوا من أجله، لكنهم رفضوا، وأصرّت على أن تُرافق ابنتها سارة القاصر في اعتقالها".

وتؤكد أنها (فاطمة) قد تعرّضت للضرب من قبل 6 مجنّدات حينما حاولت أن تُعطي شقيقتها حجابها وحذاءها، وحبسوها في إحدى الغرف، ثم قاموا بتكبيل "أم معتصم" وابنتها واقتادوهما إلى أحد مراكز التوقيف.

 

التهمة المعتادة.. التحريض

فتح الاحتلال ملفاته القديمة، رغم أنّ استشهاد محمد مضى عليه أكثر من عامين ونصف، لكنّ محكمة الاحتلال أدانت "أم معتصم" وابنتها سارة بالتحريض خلال جنازة محمد، ليتم الحكم عليهما بالسجن لمدة 40 يومًا، وفرض غرامة مالية عليهما.

وصرّحت فاطمة لـ "قدس برس": "أمّي إنسانة قويّة ولا يُمكن أن أجد مثلها في الدنيا، فهي صابرة على الوجع، تتحمّل الويلات منذ وفاة شقيقتي لينا، وها هو الاحتلال اليوم يحرمنا منها ويدكّها في السجن ويتهمها بتهم باطلة".

في كلّ مرّة كانت تسمع فيها "أم معتصم" عن شهيد فلسطيني شهيد، كانت تخطف نفسها وتذهب لبيته باحثة عن والدته لتربت على كتفها، وتُواسيها، وتُشعرها بأن الجميع معها وأن ابنها الآن بأمان في الجنان، وذلك عقب استشهاد ابنها.

"محمد" استشهد برصاص الاحتلال في الـ 12 من شهر تشرين أول/ أكتوبر 2015، بداية أحداث انتفاضة القدس، وذلك عقب تنفيذه عملية طعن استهدفت جنديين إسرائيليين داخل حافلة إسرائيلية قرب المحطة المركزية في القدس، قبل أن يحاول خطف سلاح أحدهما.

كان لهذا النبأ، الأثر الأكبر في حياة "أم معتصم" لتصبح واحدة من أهالي الشهداء والأسرى الذين قُلبت حياتهم رأسًا على عقب، ولتصبح أيضًا واحدة من أهم الشخصيات التي يعرفها الميدان ويشهد لها بقوّتها على التحمّل والمآزرة.

 

رسيلة.. عنوان الصبر والعزيمة

وتؤكد فاطمة أن والدتها كانت من أوائل من يُبادرون في التواجد والمشاركة في الوقفات التضامنية مع الأسرى المضربين عن الطعام، لتساندهم وذويهم حتى نيل مطالبهم أو حريتهم أمثال الأسير المحرر محمد القيق خلال إضرابه، وكذلك في قضايا احتجاز الجثامين.

تقول الصحافية فيحاء شلش، زوجة الأسير المحرر محمد القيق، إن ما يقوم به أهالي الشهداء هو تعزيز روح الوطنية والثوابت والمقاومة في أوساط المجتمع، فكان حراكهم يتنقل طارقًا أبواب كل الشرائح ليتسنى إيصال رسالة أبنائهم والإبقاء على ديمومتها.

وتضيف لـ "قدس برس" أن "أم معتصم" كانت ضمن هذه اللوحة المشرقة في الميادين والمؤسسات والشارع والمسيرات، فلم تكن متضامنة وحسب، بل ثائرة، ترفض الترويض وإسكات الصوت الفلسطيني وهو صوت المقاومة.

وتلفت إلى أن أمهات الشهداء يتمتعن بميزة تفوق سواهنّ من الأمهات وهي رباطة جأش ونقل مشاعرهن وانتصار كرامتهن إلى كل بيت وكل إنسان فلسطيني.

 أما عن وقوفها وأهالي الشهداء مع محمد القيق في معركته ضد الاحتلال، فقد جاءت ضمن العلاقة الكبيرة التي أصر محمد أن تكون عنوان مرحلته ما بعد الإضراب، من خلال أهالي الشهداء والأسرى وتكوين جسم قوي لاستعادة جثامين الشهداء المحتجزة، ومواساة ذويهم وذوي الشهداء ككل، فكانت أم معتصم واحدة من هذه الباقة.

ويًشار إلى أن سلطات الاحتلال، أفرجت اليوم الأحد، عن الأسيرة رسيلة شماسنة (47 عامًا) ابنتها سارة على حاجز "جبارة" قرب مدينة طولكرم (شمال القدس المحتلة)، عقب احتجازهما مدة 40 يومًا بزعم التحريض.

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.