"زواريب" مخيمات اللجوء الفلسطينية.. القصة وسرّ العلاقة

منذ أن حط اللاجئون الفلسطينيون رحالهم في مخيمات سورية ولبنان والأردن، بدأت ملامح أزقة تتمدد كشرايين على جسد مخيم تتعانق بيوته على ضفتي الزقاق لتشكل مجتمعًا متلاصقًا ومتشابهًا في كل شيء؛ الفقر والصبر والذكريات.

ولا يكاد يخلو مخيم من مخيمات الشتات الفلسطيني من هذه الأزقة، والتي لطالما ارتبطت باللاجئ الفلسطيني عاطفيًا ووجدانيًا، وصل إلى درجة وصفها البعض بحكايات العشق التي لا تنتهي.

أولى الخطوات المتعثرة

يقول اللاجئ الفلسطيني محمد أبو الحارث، من مخيم النيرب بحلب: "كانت أولى خطواتي المتعثرة في زقاق بيتنا وفيها كبرنا ولعبنا الطميمة (لعبة الاختباء) والبنانير (كرات زجاجية صغيرة)".

وأضاف أبو الحارث: "وفي هذا الزقاق كنت أدرس من الابتدائية إلى المرحلة الجامعية وفيه أحببت بنت الجيران وفيه تزوجتها وفيه الآن يحاول صغيري أن يعيد الخطوات المتعثرة التي كنت أخطوها.. فكيف لا نعشق الزواريب".

وأشار في حديث لـ "قدس برس"، إلى أن مخيم النيرب يضم حوالي 300 زقاق تصل بين شوارعه الرئيسية الثلاث؛ وهي شارع الباصات والشارع النصاني والشارع الجنوبي.

وتابع: "تشتهر بعض الأزقة عن غيرها، فلدينا حارة ساحة الحليب وساحة الإعاشة وزروبة العتمة وزروبة الحاووز وحارة السبع زواريب التي تتميز بكثرة التعرجات".

واستدرك: "لم يبق من تلك الزواريب سوى اثنين بعد أعمال الهدم والتوسعة".

البيوت كانت بركسات

وحول البيوت، ذكر أبو الحارث: "رغم أعمال البناء والتحديث بين الزواريب إلا أن بعض البيوت ما تزال تحافظ على هيكلها القديم أو جزءًا منه".

وأردف: "أسقف الزينكو أو الخشب والتي قد يتسرب منها الماء في الشتاء والغرف الصغيرة والنوافذ البسيطة التي بالكاد تسمح للضوء بالمرور".

ونوه إلى أن هذه البيوت والغرف القديمة "كانت عبارة عن مهاجع للجنود الفرنسيين وتسمى البركسات". مشيرًا إلى وجود بركس كامل على هيئته الأولى ويستخدم للندوات الثقافية أحيانًا.

أزقة مخيم حماة

ولا تختلف حياة الأزقة في مخيم حماة عن مثيلاتها في مخيمات الشتات.

وتقول السيدة سماح الباش: "رغم أني كنت أقيم مقابل البستان الكبير في المخيم إلا أن زياراتي لبيت جدي منذ صغري والكائن في زواريبه جعلني أتعرف على ذلك العالم البسيط والهادئ".

وتابعت: "كانت تستهويني الجلسات المسائية أمام التلفاز على المصطبة الإسمنتية مع الجيران".

واستطردت في حديث لـ "قدس برس": "لقد كانت لحظات رائعة ولها طقوس خاصة تبدأ بشطف (تنظيف) الزقاق الذي يتخلله اللعب بالماء ومن ثم مد البُسط والمساند لتبدأ سهرة الزقاق بأحاديث العجائز عن ذكرياتهم في فلسطين".

وتصف تلك اللحظات: "كانت أشبه بقصص الخيال الحالمة كقصص أليس في بلاد العجائب.. كانت لحظات جميلة".

حب الزواريب

وحول هذه الظاهرة المتمثلة بحب الزواريب أوضح الصحفي الفلسطيني ماهر حجازي والمقيم في هولندا، أن الإنسان الفلسطيني مرتبط بذكريات المخيمات الفلسطينية

وأضاف: "شخصيًا ولدت في مخيم اليرموك في سورية ودرست وتزوجت وعملت معظم حياتي فيه ولا شك المخيم شيء مصغر عن فلسطين والارتباط بذكريات وحارات وزواريب المخيم هو امتداد للارتباط بفلسطين والقرى والبلدات".

وأشار إلى أنه بالرغم من أن الزواريب قليلة في مخيم اليرموك نظرًا لكونه أقرب للمدينة من المخيم من حيث العمران والأبنية لكن في كل زاروبة من زواريب المخيم تفاصيل فلسطينية عن أسماء القرى أو الشهداء وصورهم.

وشدد على أن هذا الارتباط "مهم وطنيًا وثقافيًا وتراثيًا. ولا يقلل من قيمة الإنسان تعلقه بهذه التفاصيل الصغيرة في المخيم والتي نفتقدها اليوم هنا حيث نعيش في القارة الأوروبية".

وختم حجازي كلامه لـ "قدس برس": "الحديث عن المخيم والزواريب والحارات له شجون. وتلك الذكريات، رغم مرارة البعد عنها إلا أنك تشعر عند الحديث عنها بلذة مع غصة ونتمنى فعلًا أن نعود لمخيماتنا ومن ثم لفلسطين".

الزواريب جزء من الذاكرة

من جهته، قال الناشط الفلسطيني إبراهيم الشهابي من لبنان، إن الزواريب في مخيمات لبنان رغم الواقع المأساوي الذي يعيشه الناس فيها "تشكل جزءًا مهمًا من ذاكرة الفلسطينيين".

وأوضح أن أول ما عرفه الفلسطينيون في مخيمات لبنان هي الزواريب والتي يعتبرونها جزءًا من فلسطين رغم فارق التشبيه.

واستطرد لـ "قدس برس"، "الشواهد البصرية من أعلام فلسطينية ورايات الفصائل وصور الشهداء وقادة فلسطين كالشيخ أحمد ياسين والقائد أبو عمار المتناثرة على جدران وأعمدة المخيم تجعل من هذا العالم المصغر جزءًا أكثر انتماء لفلسطين كقضية وهوية".

واستدرك: "ذلك لا يعني عدم وجود مساع لدى البعض للخروج من المخيم بل ومن لبنان وخاصة بعد القرارات الظالمة التي تنال من حق الفلسطيني أن يعمل ويحيى بكرامة".

وتشهد مخيمات لبنان مظاهرات واحتجاجات ضخمة رفضًا لقرارات وزارة العمل اللبنانية بمعاملة الفلسطيني معاملة الأجنبي في ظل تضامن مخيمات الشتات بزواريبها مع قضيتهم العادلة.

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.