غزة تفتقد الجعبري في حروبها.. سبع سنوات على رحيل مهندس "وفاء الأحرار"

لا تزال صورة الشهيد أحمد الجعبري، القيادي البارز في "كتائب القسام"، الذراع العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وهو يقبض ذراع الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، قبيل تسليمه للوسيط المصري عام 2011؛ عالقة في أذهان أبناء الشعب الفلسطيني، وهو يفتقده، وكله أمل أن تكون هناك صفقة تبادل أسرى جديدة وفاء "الأحرار 2".

ولعب الجعبري دورا بارزا في إتمام هذه الصفقة منذ اليوم الأول لاختطاف شاليط في حزيران/ يونيو 2006 وحتى إتمام الصفقة في تشرين ثاني/ نوفمبر 2011، ومرورا باحتجازه لمدة 5 سنوات في قطاع ساحلي ضيق ومكتظ بالسكان محاصر.

وتصادف اليوم (14 تشرين ثاني/ نوفمبر) الذكرى السنوية السابعة لاستشهاد القائدَ العسكري والسياسي الفلسطيني أحمد الجعبري، إثر استهدافه في غارة جوية، بينما كان يستقل سيارته مع مرافقه وسط مدينة غزة.

وشهد ذاك اليوم فقدان الشعب الفلسطيني لأحد أبرز قادته العسكريين (أحمد الجعبري 1960- 2012)، والذي كان له الدور البارز في تطوير المقاومة الفلسطينية وأدواتها وقدراتها، وقارع الاحتلال قرابة ثلاثة عقود، تاركًا خلفه جيش من المقاومين، الذي خاض ثلاثة حروب مع رابع جيش في العالم، كان آخرها صيف 2014.

ميلاده وأصوله

ولد الجعبري في حي الشجاعية (شرقي مدينة غزة) عام 1960، وتعود أصوله لمدينة الخليل (جنوب القدس المحتلة)، وحصل على درجة البكالوريوس في التاريخ من الجامعة الإسلامية في القطاع.

تعرض للاعتقال الأول من قبل قوات الاحتلال عام 1982، وكان يبلغ من العمر حينها 22 عامًا، بتهمة المشاركة في خلية مسلحة تابعة لحركة "فتح" ومقاومة الاحتلال، وأمضى 13 عاما قضاها في سجون الاحتلال (1982 - 1995).

وخلال مكوثه في سجون الاحتلال، قرر الجعبري الانتقال تحت كنف وظل الحركة الإسلامية التي كانت في بداية ظهورها؛ حيث عانى كثيرًا قبل أن تسمح له حركة "فتح" بالانضمام لها برفقة ستة آخرين من كوادرها، وذلك بعد أن التقى بالشيخ صلاح شحادة القائد العام لكتائب القسام (اغتيل في صيف 2002).

اعتقاله وصقل شخصيته

انتقال الجعبري إلى صفوف "الحركة الإسلامية" داخل سجون الاحتلال، شكّل مرحلة جديدة في حياته، وساهم في صقل شخصيته لاسيما بعد معايشته لمعظم قادة الحركة التاريخيين.

ووفقًا لعدد من رفاق الشهيد الجعبري ومن التقوه في سجون الاحتلال، فقد كان يتمتع بشخصية قوية وصاحب فكر واسع وشامل للإسلام وللقضية الفلسطينية وكان يجيد اللغة العبرية بطلاقة وصاحب علاقات واسعة مع التنظيمات والفصائل المختلفة كافة.

كرّس الجعبري وقته خلال اعتقاله في السجون الإسرائيلية، في السنوات التسعة الأولى، للإطلاع وخدمة المعتقلين، وقاد معهم عددًا من الإضرابات والتي انتزعوا فيها الكثير من الإنجازات، وامتاز بمواقفه القوية والحازمة.

كان لانتقال الجعبري عام 1992 إلى سجن النقب أهمية كبرى في حياته، لاسيما وأنه يلتقي في هذا السجن بمئات المعتقلين يوميًا، والذين كانوا ينتقلون بين خيامهم بخلاف السجون المركزية، وحصر معرفته بعدد من المعتقلين في الزنازين والغرف التي يعتقل بها.

وقال أحد الذين التقوا الجعبري في سجن النقب "عمل هذا الرجل برفقة عدد من قادة حماس الذين تواجدوا في ذات السجن؛ ومن بينهم إبراهيم المقادمة (اغتيل في ربيع 2003) على تأهيل عناصر الحركة للانضمام إلى الأجهزة المختلفة فيها بعد خروجهم، لاسيما الجهاز العسكري".

أوسلو ورفض التوقيع

وأشار إلى أن الاحتلال رفض الإفراج عن الجعبري عام 1994 (صفقة تمت بين تل أبيب والسلطة الفلسطينية كبادرة حسن نية تجاه منظمة التحرير بعد توقيع اتفاقية أوسلو، شريطة أن يوقع المعتقل على تعهد بعد الإفراج عنه بعدم ممارسة المقاومة والالتزام بالاتفاقيات).

ولفت إلى أن "الجعبري رفض التوقيع مقابل الإفراج عنه وقال آنذاك، أمضيت في السجن 11 عامًا وسأكمل العامين الباقين لي ولا يقال لي يومًا أن اتفاقية أوسلو هي التي أخرجتك من المعتقل".

بعد الإفراج عنه عام 1995، ساهم الجعبري في بناء كتائب القسام (الذراع العسكري لحركة حماس) رفقة القائدين صلاح شحادة (استشهد عام 2002) ومحمد الضيف (القائد العام حاليًا للقسام).

وكان قد وعد رفاقه الأسرى في سجون الاحتلال قبيل الإفراج عنه وهو ويودعهم أنه سيبذل كل ما في وسعه من أجل إطلاق سراحهم.

تعرض الجعبري للاعتقال مرة أخرى، وكانت هذه المرة من قبل أجهزة أمن السلطة الفلسطينية في قطاع غزة عام 1998، وصدر بحقه حكمًا بالسجن مدة عامين لعلاقته بـ "كتائب القسام".

كانت المحاولة الأولى لاغتياله في الـ 7 أب/ أغسطس 2004، حيث أصيب بجراح وارتقى نجله البكر "محمد" شهيدًا وعدد من أقاربه إثر قصف إسرائيلي استهدف منزله بغزة.

ساهم الجعبري في تأسيس العديد من المؤسسات التي تُعنى بشؤون الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال؛ قبل أن يتفرغ للعمل العسكري أواخر عام 2000 (بعد إفراج السلطة الفلسطينية عنه من سجونها).

انتفاضة الاقصى

وكان للجعبري دور كبير في قيادة العمل العسكري في انتفاضة الأقصى وتدرج في قيادة "كتائب "القسام ولعب دورًا لوجستيًا كبيرًا؛ قبل أن يصبح الرجل الأول فيها بعد استشهاد قائدها العام صلاح شحادة وإصابة أحد أبرز قادتها "محمد ضيف" بجراح خطيرة (لم يُعلن عن ماهيتها).

بقي الجعبري بعيدًا عن وسائل الإعلام، حيث ظهر في برنامج وثائقي واحد وتحدث عن نفسه وعن الجهاز العسكري لحركة "حماس"، إلا أنه بعد ذلك لم يصدر عنه أي تصريح وتوارى عن الأنظار بالكامل.

أسر شاليط

حقق "الجعبري" الجزء الأكبر من وعده في حزيران/ يونيو 2006، عندما تمكنت كتائب القسام وفصيلين آخرين من أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في عملية فدائية نفذت داخل أحد المواقع العسكرية التابعة للاحتلال جنوب قطاع غزة.

كثر الحديث عنه بعد اختطاف شاليط، وبدأت المصادر الإسرائيلية تحمله المسؤولية عن ذلك دون أن يظهر القائد الفلسطيني في أي مكان أو يصدر عنه أي تصريح.

وتحدثت الدولة العبرية عن أنها أخفقت خلال الحرب الأولى على غزة (2008-2009) من تصفية الجعبري، وذلك على الرغم من رصده في أكثر من مكان حسب ادعائها، وأنها على يقين أنه كان الرجل الوحيد الذي يتحكم بمصير شاليط.

وقاد الجعبري المفاوضات غير المباشرة حول شاليط، وكان حاسمًا في ذلك الأمر، ويدرك طبيعة القائمة التي وضعها للأسرى التي من المقرر أن يفرج عنهم وتنوعها، بحيث تشمل أسرى قدامى وعدد من قادة الفصائل والنساء والأطفال والمرضى.

وحسب مراقبين فإن "حماس" تمكنت خلال مفاوضاتها غير المباشرة أن تفرض شروطها على الدولة العبرية وتكسر الكثير من المعايير، لما تمتع به المفاوض من خبرة وصبر كبيرين.

مفاوض عنيد

وكانت تدرك الدولة العبرية أكثر من غيرها مدى صعوبة المفاوضات في قضية شاليط، وذلك لعلمها الجيد بمدن يُدير الصفقة (الجعبري)، كونه أمضى في سجونها 13 عامًا وكان عنيدًا جدًا في انتزاع حقوق الأسرى خلال المفاوضات مع إدارة السجون.

عُرف الجعبري كـ "قائد سياسي وعسكري"، ونسبت له الدولة العبرية لقب "رئيس أركان حماس"، وكان على رأس فريق المقاومة للتفاوض حول مصير الجندي الإسرائيلي "جلعاد شاليط"، وهنّدَس صفقة وفاء الأحرار (أواخر عام 2011 وأفرج خلالها عن 1027 أسيرًا فلسطينيًا من سجون الاحتلال).

في مثل هذا اليوم من العام 2012 استشهد الجعبري، ولكن من تركهم خلفه من المقاومين ما صبروا إلا ساعات قليلة، قبل أن يدكوا تل أبيب (وسط فلسطين المحتلة 48) والقدس المحتلة بالصواريخ، لأول مرة في تاريخ الصراع، أعقبها معركة "حجارة السجيل" (استمرت 8 أيام)، وفرض خلالها "جنود الجعبري" معادلة القوة واختصار الزمن وكسر هيبة الاحتلال، حيث حمل أحد الصواريخ الذي وصل إلى "تل أبيب" والقدس اسم "جي 80" نسبة له.

 

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.