الإجهاد الاستراتيجي الأمريكي وأثر أحجار الدومينو (تحليل)

المراقب للسياسة الأمريكية خلال الأشهر الثلاث الأخيرة، يلاحظ قدرا كبيرا من الإجهاد الذي تعاني منه السياسة الأمريكية؛ فسعيها للتفرغ للخصم الصيني في المحيطان الهادي (الباسفيك) والهندي؛ قابله تدهور متسارع لعلاقتها الاستراتيجية بروسيا، خصوصا بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان تموز/ يوليو الماضي.

  قمة جنيف التي جمعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي جو بايدن في حزيران/يونيو الماضي،  لمعالجة الملفات المهمة في آسيا الوسطى وبحر البلطيق والبحر الأسود وغرب آسيا بما فيه العالم العربي وشمال أفريقيا؛ لم تنجح في وقف التدهور الاستراتيجي في العلاقة الأمريكية الروسية؛ والتي عبر عنها مؤخرا بطرد عدد من الدبلوماسيين الروس من بعثتها الى حلف الناتو في بروكسل؛ ما دفع روسيا لإغلاق البعثة بالكامل ردا على هذه الخطوة.

الجهود الأمريكية لصياغة استراتيجية متماسكة ومستقرة تعاني الكثير من العقبات والضغوط والتجاذبات المجهدة؛ فاتفاقية ايكيوس لتزويد أستراليا بغواصات نووية، تولد عنها أزمة في العلاقة مع باريس شريكها في الناتو؛ كما أن جهودها لتطوير تحالف "كواد" في المحيط الهندي بالشراكة مع الهند في نيودلهي، واجه إحباطا كبيرا بعد الانسحاب العشوائي والفوضوي الأمريكي من أفغانستان؛ إذ أدخلها في تجاذبات قوية مع باكستان وإيران وتركيا ودول آسيا الوسطى؛ مهددا بعزل الهند عن محيطها الاإقليمي وإحباط سياساتها المشتركة مع واشنطن لمحاصرة واحتواء الصين في المحيط الهندي ووسط وغرب آسيا.

النشاط الأمريكي الذي اتسم بالهوس تجاه الصين، خلال الأشهر الأولى من رئاسة جو بايدن، قاد إلى ردود فعل إقليمية ودولية سرعان ما تطورت على شكل شراكات بين عدد من القوى الإقليمية والدولية المتنافسة لمواجهة الاستراتيجية الأمريكية؛  فالتعاون الصيني الروسي شهد انتعاشا كبيرا لم يبلغه منذ ستينيات القرن الماضي؛ خصوصا بعد إعلان روسيا والصين، أمس السبت، عن تسيير أول دورية بحرية غرب الباسفيك، ضمت عددا كبيرا من القطع البحرية وخاضت تدريبات ومناورات عسكرية مشتركة غير مسبوقة، امتدت من "17" إلى "23" تشرين الأول/أكتوبر الحالي.

الضغوط التي تواجهها الاستراتيجية الأمريكية، لم تقتصر على القوى الدولية؛ فسياساتها في الساحات الإقليمية تعاني من الإجهاد الاستراتيجي ذاته؛ إذ تعاني واشنطن من إشكالات ومقاومة لسياساتها في العديد من الساحات؛ أمكن ملاحظته في الملف النووي الإيراني؛ فأمريكا توجه النداءات إلى طهران، عبر الوسطاء الأوربيين لاستئناف مفاوضات فيينا، دون أن تبدي طهران حماسة كبيرة للأمر.

الحال لا يختلف في السودان؛ فرغم جهود الوساطة وحضورها المباشر عبر المبعوث الأمريكي للقرن الأفريقي جيفري فلتمان، المحمل بترسانة من العقوبات والحوافز؛ تواجه الأجندة الأمريكية مقاومة متصاعدة، تجعل من حتمية الاستجابة لبرنامجها السياسي محل شك كبير في السودان، فاتحا الباب لسقوط أولى أحجار الدومينو في النفوذ الأمريكي المترنح.

 يمكن ملاحظة ذات الأثر لحالة الإجهاد في إثيوبيا و ليبيا ولبنان وسوريا والعراق واليمن وفلسطين المحتلة؛ تجاذبات تفاقم من حالة الإجهاد الاستراتيجي للسياسة الأمريكية التي لا تمضي بسلاسة ويسر نحو أهدافها؛ كان آخرها خلال الساعات الـ"48" الفائتة، رفض باكستان استخدام أمريكا أجوائها لممارسة نشاطها العسكري داخل أفغانستان؛ بعد نفي إسلام آباد ما تناقلته وسائل الإعلام الأمريكية عن إجراء مفاوضات بهذا الاتجاه؛ رفض تبعه تحديّا تركيّا بإعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان طرد عشرة سفراء غربيين، من ضمنهم سفير الولايات المتحدة؛ ردا على تدخلها في ملف رجل الأعمال التركي عثمان كافلا، المتهم بالتآمر مع الإنقلابيين العام 2016؛ فالقوى الإقليمية والقوى السياسية المتنافسة في القارة الأفريقية وآسيا، تميل أكثر نحو تجاهل الضغوط الامريكية وتجاوزها أملا في توافر مساحة أكبر للمناورة واستعادة التوازن.

 ختامًا، الإجهاد الاستراتيجي الأمريكي أسهم بتأرجح نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية في عديد من الساحات؛ فالقوى المناهضة للنفوذ الأمريكي تتعافى،  والرغبة في تحقيق التوازن في مواجهة النفوذ الامريكي تتزايد في العديد من الساحات المتضررة من تغول النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري الأمريكي؛ إجهاد يتهدد سياسة واشنطن بأثر أحجار الدومينو؛ فسقوط وتراخي نفوذها في إحدى الساحات يقود إلى تداعي نفوذها في الساحات كافة؛ نفوذ يتأرجح بقوة على وقع الإجهاد الاستراتيجي المتعاظم؛ يمكن ملاحظته في المنطقة العربية بوضوح من الخليج إلى المحيط ؛ والعالم  يترقب منتظرا سقوط  حجر الدومينو الأول في حلقة النفوذ الأمريكي.

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.