قرار السويد بوقف تمويل السلطة الفلسطينية يفتح ملف "فسادها"

أثار قرار السويد وقف تمويل السلطة الفلسطينية، بسبب ما وصفته بـ "الفساد المستشري" في مؤسساتها، ردود فعل واسعة، ومخاوف من انعكاساته على الشعب الفلسطيني، وسط خشية من لحاق دول أخرى بالقرار.

وعلى الرغم من أن قرار السويد، لم يكن مفاجئًا وكان متوقعًا - وفق آراء كتاب ومحللين سياسيين التقتهم "قدس برس" -  إلا أن له ما بعده من تراجع مكانة القضية الفلسطينية وتفاقم الأزمات الاقتصادية، خاصة من الدول المساندة للفلسطينيين.

وفي تصريحات غير مألوف، قالت وزيرة الخارجية السويدية آن كرستين ليندي: "إن مستوى الفساد الذي وصلت إليه فلسطين يمنعنا من تقديم المساعدة للشعب الفلسطيني".

أضافت: "لن نكون قادرين على دعم التنمية الاقتصادية للفلسطينيين بشكل كامل في ظل مستوى الفساد الكبير الموجود حالياً في السلطة"، وفق ما أورده راديو السويد.


الفساد يطغى على العلاقات

وقال الكاتب والمحلل السياسي سمير حمتو أنه "رغم العلاقة المميزة التي تربط  السلطة الفلسطينية بالسويد، لكن قضايا الفساد التي تتغلغل في الجسم الحكومي الفلسطيني أثرت على استمرارية هذا الدعم السويدي المخصص أصلًا لمكافحة الفساد وتحقيق التنمية الاقتصادية".

وأضاف حمتو لـ "قدس برس": "بسبب الفساد خسرت السلطة السويد والتي كانت من أولى الدول الأوربية التي اعترفت بفلسطين عام 1988، وهو ما أثار غضب الاحتلال الإسرائيلي في حينه، وحدثت قطيعة بين الجانبين لفترة طويلة، إلى أن عادت مؤخرًا بعد قيام وزيرة الخارجية السويدية بزيارة تل أبيب، ما يعد فشلًا للدبلوماسية الفلسطينية" .

وأشار إلى أن السويد تعتبر ضمن الدول المانحة التي تقدم التمويل لإقامة مشاريع في الضفة وغزة، بالإضافة إلى توجيه بعثات حكومية فلسطينية إلى السويد، للاستفادة من تجاربها على المستويات المختلفة بينها القضائية.

وقال حمتو: "جاء هذا القرار السويدي في ظل الانتقادات المتزايدة محلياً ودوليا، للفساد المالي والإداري في الجهاز الحكومي الفلسطيني، والأزمة المالية التي تعيشها السلطة، في ظل تقليص المساعدات الخارجية التي تقدم لها".

وأضاف: "الاتحاد الأوربي بدأ بخطوات عملية للضغط على السلطة، لإجراء إصلاحات وانتخابات تشريعية ورئاسية".


تدارك ما يمكن تداركه

وطالب حمتو السلطة أن تتدارك الوضع قبل فوات الأوان وتخسر دول داعمة عديدة قد تلحق بالسويد ومنها دول عربية وأوربية حيث بدأت عدد من الدول تعيد حساباتها وتقلص الدعم المقدم ومنها دول عربية كالسعودية والإمارات.

وأشار في هذا الصدد إلى أن السلطة الفلسطينية تلقت 35.4 مليار دولار، كمساعدات خارجية، منذ تأسيسها، وجاء الاتحاد الأوروبي في المرتبة الأولى، للدول التي تقدم الأموال للسلطة، بمبلغ 6.7 مليارات دولار.

وأكد أن الاتحاد الأوربي عمد على تأخير المساعدات المقدمة حتى الربع الأول من العام المقبل مما أثر على موازنة السلطة وتأخير صرف مستحقات المستفيدين من مستحقات الشؤون الاجتماعية البالغ عددهم 100 ألف أسرة فقيرة في الضفة والقطاع.

وشدد على ضرورة أن تقوم السلطة بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية بعد توقف دام 14عامًا وإجراء إصلاحات على الهيكل الإداري ومحاسبة الفاسدين ومن يثبت بحقهم تجاوزات مالية وثراء فاحش وتشكيل محاكم خاصة بهذا الأمر.

واستدرك بالقول: "إن لم تفعل ذلك فإن السلطة في طريقها للانهيار التدريجي في ظل حالة الغليان في الشارع الفلسطيني على ممارسات وتجاوزات السلطة والشعور السائد  أن السلطة أصبحت عبئًا على الشعب الفلسطيني".


فساد فوق الطاولة

من جهته قال الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا لـ "قدس برس": "تصريحات وزيرة الخارجية السويدية، ليست جديدة، على الصعيد الدولي أو الوطني، لكن هنالك بعض الدول ما يتبع الإصلاح المباشر دون إعلان ذلك، والبعض الآخر يدعم السلطة وهو يعرف بدقة حجم الفساد المستشري، لكن تحت قاعدة أن هذا ما هو متوفر ولا توجد بدائل".

وأضاف: "الصراحة التي تحدثت بها الوزيرة السويدية هي ما لم يقله الكثيرون، لكن هناك من قاوم هذا الفساد وفضحه، مثل المعارض نزار بنات، الذي قامت السلطة الفلسطينية باغتياله بطريقة بشعة، كان هدفها إعطاء درس قاسي لكل من يفكر في مقاومة الفساد أو فضحه".

واعتبر الهجوم الذي تعرضت له الوزيرة السويدية من قبل المقربين من الرئيس عباس يعكس حالة التغول التي يعانيها هؤلاء ضد كل من يفضح الفساد أو يقاومه.


رعاية الفساد

وأشار القرا إلى أن بعض الدول الأوروبية حاولت التغيير في أيار / مايو الماضي، ولكن رئيس السلطة محمود عباس وبدعم إسرائيلي وأمريكي مباشر تمكن من الهرب من الاستحقاق الانتخابي.

ونوه إلى ما كشفه تقرير الرقابة الإدارية والمالية، والذي يدلل على حجم الفساد المالي الذي ينخر في مؤسسات السلطة، دون استثناء، وسرقة مئات الملايين من الدولارات لصالح الرئيس عباس والمحيطين به، وكذلك بناء منظومة من الفساد المنظم داخل المؤسسات الصحية والتعليمية والأمنية شرّعت الفساد بأنظمة تحميه من الملاحقة القانونية لاحقًا.

واعتبر أن القرار السويدي يستوجب موقفًا فلسطينيًا وطنيًا جماعيًا سواء على صعيد الفصائل أو المؤسسات أو الهيئات، وحتى الأشخاص للتحرك وفضح ممارسات السلطة الفاسدة، وخاصة في قطاع غزة، وسرقة الأموال التي تمارسها مثل قطاع الرواتب، ووقف صرف الشؤون الاجتماعية، وعدم تقديم الحصص المالية المخصصة لغزة، خاصة في مجال التعليم والصحة.

وقال القرا: "مقاومة الفساد لا تقل عن مقاومة الاحتلال، بل جزء من ذلك، باعتبار أن السلطة تحتمي بالاحتلال في الفساد المشترك بين الجانبين على حساب مقدرات الشعب الفلسطيني، وأن التخلص من هذا النظام الفاسد يساهم في التخلص من الاحتلال، وإنهاء الشراكة السياسية والأمنية والاقتصادية التي يستفيد منها قادة السلطة".


تراجع الدعم

ومن جهته أكد الكاتب والمحلل السياسي محمد شاهين، أن قرار السويد بعدم دعم ميزانية السلطة الفلسطينية لم يكن عبثياً بل بناء على معلومات وبيانات دقيقة تتحدث عن الفساد في أجهزة السلطة ورجالاتها وهو ما جاء علي لسان وزيرة خارجية السويد التي تحدثت عن ارتفاع مستويات الفساد في السلطة.

وأشار شاهين في حديث لـ "قدس برس" أن الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، يقدما قرابة 86 في المئة من إجمالي المنح الخارجية للموازنة الفلسطينية وذلك بعد تراجع الدعم السعودي الذي كان يعد الأكبر عربياً من متوسط 20 مليون دولار شهريًا، والذي تراجع خلال آخر ثلاثة أعوام لمتوسط 10-12 مليون دولار شهريًا .

وحذر من أن الكشف عن ملفات فساد لدى السلطة كان سببًا في انعدام الثقة لدى المانحين وكان من نتائجها موقف السويد، وقد ينسحب على دول أخرى في الاتحاد الأوربي.

وقال: "إن القرار السويدي بعدم دعم ميزانية  السلطة سيكون له انعكاسات خطيرة على حجم الإنفاق الذي تقوم به السلطة، وقد يكون هناك إشكالية في صرف رواتب الموظفين في الأشهر القادمة وهو ما يعكس حجم أزمة كبيرة تعيشها السلطة في ظل تراجع الدعم الدولي لها ولميزانيتها".


توتر العلاقات

وأشار إلى أن علاقات السلطة مع الاتحاد الأوروبي تشهد توتراً بسبب تراجع الرئيس عباس عن إجراء الانتخابات العامة، إضافة لقمع المتظاهرين السلميين واغتيال الناشط السياسي نزار بنات بطريقة وحشية مما دفع  سفراء دول أوربية لتقديم احتجاج للسلطة على هذه الجريمة التي تعد مخالفة صارخة لحرية الرأي والتعبير.

واستعرض الكاتب والمحلل السياسي العديد من واجه فساد السلطة منها صندوق  "وقفة عز" ووجود فساد مالي وإداري وسياسي في عمله وكذلك صفقة التطعيمات الفاسدة.

وأشار إلى أن تقرير ديوان الرقابة المالية والإدارية لعام 2020م في السلطة أظهر وجود مخالفات واضحة في موسم الحج وحرمان السلطة  الفقراء من مخصصات الشؤون الاجتماعية بحجة عدم توفر الأموال, في الوقت الذي تسرق فيه ملايين الدولارات.

وقال: "إن هذا الفساد ليس وليد اليوم وليس بجديد بل إن حكايات الفساد المالي تعود إلى أيام منظمة التحرير حيث كانت الأموال تصرف دون رقيب وكانت تستقطع فيه من كل فلسطيني بالدول العربية ما قيمته 5% من الراتب ".

وأضاف: "لمتتبع لفضائح السلطة المالية يجدها مستمرة ومتزايدة فلقد أشار التقرير السنوي الذي أصدره أخيراً الائتلاف الفلسطيني من أجل المساءلة والنزاهة (أمان) إلى اعتقاد 85 في المئة من الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة بوجود فساد في مؤسسات السلطة الفلسطينية".
 

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.