وليد شمالي.. "كوخ القسام" الآمن ومرافق القادة حتى الشهادة

برز اسم الشهيد وليد موسى شمالي حينما كان يلقي الحجارة على جنود الاحتلال، والكتابة على الجدران في بداية الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، فأصيب في قدمه خلال مواجهات حي الشجاعية في أولى أيام الانتفاضة.
 
لم يكن ارتباط شمالي - مواليد الشجاعية لعام 1965 - بالعمل العسكري معروفاً لأحد باستثناء زوجته "أم بلال"، التي لم تعترض على ذلك، وحافظت على سره بجوفها، تحمل قلبها على راحة يدها في كل عملية يقوم بها، حرصها على نيله أعلى الدرجات بين رفاقه، جعلها تشاركه في العمل الجهادي.
 
عملها بالخياطة لم يكن عائقاً أمامها، وربما اكتسبت تلك الصلابة من رفقته في الحياة، فعندما جاء ليخبرها أنهم بحاجة إلى الأعلام الفلسطينية - والتي كانت ممنوعة زمن الاحتلال - لرفعها في سماء قطاع غزة، باشرت على الفور ومن دون تردد بحياكتها، حتى خاطت ملابس الاستشهاديين، ومنهم ريم الرياشي التي نفذت عملية حاجز بيت حانون شمالي قطاع غزة، وقتلت 5 من ضباط الاحتلال في الخامس من كانون الثاني/ يناير 2004.
 
حياته العائلية
 
تقول إسلام ابنة الشهيد الثانية: "والدي غرس في نفوسنا، ونفوس أحفاده حب الوطن والتضحية من أجله، ورغم أنه كان قليل الكلام، فإن حديثه دائماً كان عن العلم والمقاومة، لأنهما السبيل الوحيد لتحرير فلسطين".
 
وأضافت إسلام لـ"قدس برس": كان أبي - رحمه الله - كثير القيام خلال شهر رمضان، والدعاء قبيل اندلاع الحرب بأيام وساعات قليلة، لم يكن يترك القيام ولا لأي سبب من الأسباب، وعودنا على ذلك، فبحمد الله أنا وبلال و3 أخوات أيضاً أتممنا حفظ كتاب الله بتشجيع والدي".
 
ورغم ما ظهر عنه بعد استشهاده كشخصية عسكرية وقائد في المقاومة، إلا أن إسلام تؤكد أن هذه الشخصية "لم تكن ظاهرة على والدي في المنزل، وفي تعامله مع أسرته ومحبيه"، فتقول "كان ودوداً حنوناً رقيقاً مع أسرته وكل من يعرفه.. حتى أنه كان وباستمرار يقبل رأس أمي كتعويض لها عن عملها معه، وصبرها على خروجه الطويل والمتكرر".
 
عمله العسكري
 
بالحديث عن عمله العسكري، وجدنا نزاعاً بين النفوس من يسابق في الحديث عنه، فكانت الغلبة لبلال النجل الأكبر للشهيد فقال: "انضم أبي لصفوف حركة الإخوان المسلمين في العام 1986؛ أي قبل اندلاع الانتفاضة الأولى بعام واحد، وقبل إعلان تأسيس حركة حماس في 14 كانون أول/ ديسمبر 1987".
 
ومع دخول الانتفاضة الأولى ومشاركته الفاعلة فيها، ورفقته للشهداء أحمد ياسين، وعبد العزيز الرنتيسي، وأحمد الجعبري، عرض عليه القائد العام للقسام في ذلك الوقت، الشهيد عز الدين الشيخ خليل، الانضمام إلى صفوف كتائب القسام عام 1991.
 
ويقول بلال لـ"قدس برس": لم يتردد والدي بالموافقة على طلب الشيخ خليل، حتى أنه لم يأخذ وقتاً لاستشارة أهله وذويه، إلا أن الشيخ خليل لا يريد أن يحدث لوالدي شيء، كونه حديث زواج، إلا أن أبي أصر على ذلك، وبعد انضمامه أخبر أمي بكل شيء فوافقته.
 
وظلم أولي القربى أشد مضاضة
 
في آذار/ مارس من العام 1991، اعتقل شمالي وأمضى 9 أشهر في سجن النقب، خرج بعدها ليواصل العمل العسكري الذي تأخر عنه فترة اعتقاله.
 
ولم يكن لقدوم السلطة عام 1994 أي فارق في حياته، فبحسب بلال، فإن والده كان يجيب عندما يخيروه بين أن يعتقل عند السلطة أم عند الاحتلال؟ "أفضل لي أن اعتقل عند الاحتلال الإسرائيلي". في إشارة إلى ما يعانيه في سجون السلطة من ضرب وتعذيب، تصل لحد الشبح لأيام متواصلة، دون رأفة ورحمة بحالهم التي أوصلوهم إليها، وكذلك الحال عند الاحتلال، ولكن الوضع النفسي يكون أصعب في سجون السلطة، كون الذي يعتقلك ابن جلدك.
 
وعقب خروجه من سجون السلطة، وبداية حياة المطاردة له ولرفاقه من قادة القسام، ومع بداية انتفاضة الأقصى عام 2000، كان منزل شمالي في حي الشجاعية الحصن والملاذ لهم.
 
فعندما تدخل بيت شمالي، تجد على الحائط الملاصق للباب رسمة كوخ بين أشجار كثيفة، فأطلقت عليه قيادة القسام - وعلى رأسهم محمد الضيف - لقب "الكوخ" فكانت شفرة بينهم "نلتقي عند الكوخ" أي عند شمالي ليحمل هذا اللقب، ويعرف به حتى استشهاده في معركة سيف القدس في أيار/ مايو الماضي.
 
محاولات عدة لاغتياله
 
شمالي لم يرأف بنفسه، إذ تعرض لعدة إصابات أثناء عملية التصنيع، كان أبرزها بتر يده اليمنى، إضافة إلى إصابات في أنحاء جسمه كافة، جراء تعرضه لعدة عمليات اغتيال.
 
بدمعة سقطت سهواً، وسط شموخ استمده من والده، وبتكرار الحمد لله، يقول بلال: "الاستشهاد لم يكن مستبعداً عن والدي، بل كان أول ما يجول في فكرنا في أي اجتياح أو حرب على قطاع غزة، خاصة مع تعرضه لأكثر من محاولة اغتيال".
 
واستعرض بلال محاولات الاغتيال الفاشلة لوالده، والتي كانت أولها عام 2003، حين استهدف الطيران الحربي من نوع F16 منزلاً يعود لعائلة مشتهى في حي الشجاعية بغزة، حيث أصيب شمالي في هذا الاستهداف إصابة أثرت على قدراته العقلية، والتعرض لتشنجات حتى يوم استشهاده.
 
وفي العام 2004، وفي استهداف منزل عائلة الشهيد أحمد الجعبري، أصيب شمالي برفقة الشهيد الجعبري، وفي العام 2008 أصيب باستهداف مباشر، خلال الحرب التي شنت على غزة، والتي عرفت باسم "معركة الفرقان"، وكذلك استهدف في العام 2012 مع مقاوميْن وقد أصيب.
 
علاقته بالشهيد "الجعبري"
 
"أصدقاء درب وأصدقاء شهادة"، هذه كانت عبارته الشهيرة حينما يسأل عن الشهيد الجعبري، فقد كانت تربطهما علاقة قوية جداً ومحبة عميقة. وهذا ما أكده بلال بقوله: "أهدى الجعبري والدي قطعة سلاح من نوع M16، إضافة إلى مشاركتهم معًا بإدخال كميات كبيرة من المواد المتفجرة إلى غزة في العام 2006".
 
وأضاف "لم يقف الأمر على ذلك، فقد خرج والدي برفقة الشهيد أحمد الجعبري يوم الصفقة المشرفة "وفاء الأحرار" من الصباح حتى خروج الأسرى ووصولهم إلى ذويهم وأهلهم".
 
لم يكن يعرف كثيرون أن وليد شمالي الذي أعلنت "إسرائيل" قتله في غارة جويّة على غزّة في معركة "سيف القدس" في أيار/ مايو الماضي، هو أحد المسؤولين الأوائل في تصنيع المتفجرات والعبوات الناسفة في كتائب القسام، بالرغم من إكماله التعليم الجامعي متأخراً، إلا أنه أبدع في تعلم هذا الأمر، وأصبح واحداً من أبرز مهندسي التصنيع في القسام قبل اغتياله، برفقة عدد من قادة القسام في تلك الغارة الشهيرة.

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.