مستوطنو الضفة يعلنون حربا "تلمودية" على الفلسطينيين

أثارت واقعة حرق مستوطنين يهود لمنزل فلسطيني في قرية دوما شمال الضفة الغربية المحتلة بتاريخ 31 تموز (يوليو) الماضي، وما أسفر عن ذلك من استشهاد طفل رضيع ووالده وإصابة أفراد عائلته بجروح خطيرة، مخاوف في الأوساط الشعبية والرسمية الفلسطينية إزاء تنامي وتيرة جرائم العصابات اليهودية والتي تغذيها فتاوى الحاخامات الداعية لتصعيد الاعتداءات ضد الفلسطينيين واستباحة دمائهم.

وشهدت الآونة الأخيرة - باعتراف المؤسسة العسكرية الإسرائيلية - زيادة حدة خطورة وعنف اعتداءات المستوطنين التي ما عادت تنحصر بتحطيم المركبات الفلسطينية وتدمير المحاصيل الزراعية، وإنما وصلت حد الخطف والتنكيل والقتل بأبشع الطرق، في إعلان لـ "حرب تلمودية" يشنّها هؤلاء المستوطنين الذين تجمعهم بنية تنظيمية مشتركة ومرتكزات سلوكية موحدة.

ويغذي حاخامات اليهود النزعات العنصرية للمستوطنين عبر التحريض على الفلسطينيين وتغذية الروح العنصرية اليمينية لديهم، في حين تعمل الحكومة الإسرائيلية على توسيع بؤرهم القائمة على أراضي المواطنين الفلسطينيين، وتسمح رسمياً بتسليحهم.

وتتنوع عمليات العصابات اليهودية ما بين القيام بأعمال ترويعية ضد المواطنين الفلسطينيين، تصل حد محاولات القتل، إلى جانب الاعتداء على ممتلكاتهم وأراضيهم بالحرق والتخريب، إلى الاعتداء على المقدسات الاسلامية والمسيحية بما فيها حرق المساجد والكنائس وكتابة الشعارات العنصرية على جدرانها، ونبش المقابر الإسلامية، ومصادرة آلاف الدونمات الزراعية وطرد أصحابها منها.

وفي الوقت الذي تصاعدت فيه دعوات جماهيرية وفصائلية فلسطينية لإعادة إحياء روح المقاومة في الضفة الغربية المحتلة، بحيث تكون كفيلة بوضع حد للإرهاب اليهودي، اتّسم الموقف الفلسطيني الرسمي بالضعف الملحوظ؛ ففي الوقت الذي خرج فيه الفلسطينيون في مظاهرات غاضبة تندّد بجريمة حرق منزل عائلة دوابشة وقتل الرضيع علي (عام ونصف)، كانت أجهزة الأمن التابعة للسلطة تنسّق مع الجيش الإسرائيلي لإعادة ثلاثة مستوطنين يهود اقتحموا منطقة أريحا (شرق الضفة)، بموجب اتفاقيات أمنية نصّت عليها معاهدة "أوسلو" رغم مطالبة المجلس المركزي الفلسطيني "أعلى سلطة تشريعية في منظمة التحرير" بوقف علاقات التنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل.

وينتقد المحلل السياسي الفلسطيني، عبد الستار قاسم، سياسة السلطة الفلسطينية في تعاملها مع ملف اعتداءات المستوطنين، محمّلاً إياها المسؤولية عمّا اعتبره تراجعاً في مستوى التصدّي لهذه الاعتداءات، وذلك من خلال الملاحقة "الشرسة" من قبل أجهزة السلطة الأمنية لكل من يرفع سلاحه صوب المستوطنين أو يرشقهم بحجر، وعليه "فقد بدأ المستوطنون يشعروا بالأمان بعد أن كانوا لا يجرؤون على التجوّل في شوارع الضفة إلا تحت حراسة الجيش، ولم يكن ليقدموا على مثل جريمة إحراق الطفل الدوابشة وأبو خضير من قبله إلا وهم على قناعة بأنهم لن يدفعوا ثمناً لجريمتهم".

ويبدي قاسم في تصريحات لـ "قدس برس"، استخفافه برد السلطة على جرائم المستوطنين بعزمها التوجه لمحكمة الجنايات الدولية رغم تأكيده على أهمية التواجد في مثل هذه المواقع، مضيفاً " لا يمكن التعويل على استرداد الحق وردع الاحتلال ومستوطنيه عبر منظمات دولية، فالقضية ليست قضية قرارات دولية؛ فبرغم حصول الجانب الفلسطيني قبل سنوات على قرار بعدم شرعية جدار الفصل العنصري إلا أنه لم يتغير على أرض الواقع شيء"، وفق قوله.

ويستبعد عبد الستار قاسم، أن تقدم أجهزة أمن السلطة على ملاحقة المستوطنين في الضفة بشكل رسمي، مستطرداً "لكن ربما يقدم أفراد في الأجهزة على عمليات فردية في ظل حالة الكبت وتصاعد موجات التصعيد، نظراً لأن السلطة ربطت أجهزتها بالمال السياسي، وقضت على البيئة الحاضنة لأي عمل وطني أو هبة شعبية وخلقت ثقافة استهلاكية بدلاً عن الثقافة الوطنية التي سادت لسنوات طوال"، حسب تقديره.

وأعادت حادثة إحراق منزل عائلة دوابشة في نابلس ومقتل الرضيع علي ووالده وإصابة والدته وشقيقه بجراح خطيرة، تسليط الضوء على اعتداءات المستوطنين بالضفة وسبل التصدي لها، خاصة وأن حالة من الغضب سادت الشارع الفلسطيني أدت إلى اندلاع مواجهات في أغلب مدن الضفة وسط تحذيرات واستنفار في صفوف جيش الاحتلال من اتساع المواجهات ووقوع ردات فعل.

من جانبه، طالب عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" سلطان أبو العينين، تسليح المواطنين في القرى والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية لمواجهة اعتداءات المستوطنين، مشيراً إلى ضرورة ردع الاعتداءات اليهودية مثلما كان الحال عليه قبل أكثر من 20 عاماً "حتى يعلم المستوطن أنه سوف يعود مقطعاً في حال هاجم الفلسطينيين"، على حد تعبيره.

ونفذ المستوطنون 11 ألف اعتداء على أهداف فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة منذ العام 2004، وذلك وفقاً لبيان أصدره صائب عريقات عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ومسؤول ملف المفاوضات مع إسرائيل.

ويؤكد مسؤول ملف الاستيطان في شمال الضفة الغربية المحتلة، غسان دغلس، على أن أغلب اعتداءات المستوطنين يُقصد بها القتل وإلحاق الضرر بالفلسطينيين وممتلكاتهم، مشيراً إلى أن " انعدام الرادع الدولي من قبل سلطات الاحتلال إزاء اعتداءات المستوطنين التي لاقت رواجاً في ظل حكومة يمينية لا تخفي دعمها للمستوطنين وبرامجهم، شجّع على زيادة وتيرتها ومستوى عنفها"، حسب رأيه.

ووثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، ارتفاعاً عاماً لعنف المستوطنين في السنوات الأخيرة، حيث تضاعف المعدل السنوي لهجمات المستوطنين أربع مرات تقريباً بين عامي 2006 و 2014، حيث ارتفع من 115 اعتداء في عام 2006 إلى 399 خلال عام 2013.

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.